تغيبت ابنة الجيران عشرة أيام بعد أن كانت منتظمة معي من بداية السنة في الصف الأول المتوسط، فطلبت مني المعلمة ذلك الوقت تقصي أخبارها بدلاً من أن تقوم هي أو الإدارة بذلك! وفي طريق عودتي إلي المنزل ذلك اليوم طرقت بابهم، فخرجت لي زميلتي بوجه جامد وحين سألتها عن سبب تغيبها قالت: (رفض والدي أن أذهب إلى المدرسة بعد أن اكتشف أنهم يعلموننا لغة الكفار، وقال الشهر المقبل سأتزوج ابن عمي) استغربت من فكرة الزواج لأنها لم تكن في قاموس من هم في سن الـ11 سنة، و جلست أفكر كثيرا في صدمة اللغة الإنجليزية التي لم تكن سوى لغة للكفار، وتملكتني الحيرة لأنني لم أفهم لماذا تركني أهلي إذن أتعلمها مع أنني تمنيت ذلك الوقت أن يكون منهج الرياضيات هو لغة الكفار لكي يمنعونا من دراسته.
فيما بعد أدركت مدى جهل والد زميلتي الذي حرمها من مواصلة التعليم بناء علي معتقد خاطئ لا يمت لأي عقيدة بصلة، مجرد جهل ساعد علي استمراريته تبني المؤسسة التعليمية منع تدريس اللغة وتعطيل جيل كامل واقتصارها علي المرحلة المتوسطة إلى أن وصلنا لزمن الابتعاث الذي كشف عن حجم الجهل الذي كنا نعيشه ولم نتركه كلياً وراءنا!
تذكرت هذه القصة حين قرأت الجدل الذي أثاره بعض التربويين وأولياء الأمور للأسف علي صور أطفال تضمنها منهج الرياضيات للصف (الثالث الابتدائي) وليس الثانوي، والمصيبة خشية (هؤلاء) من أن تكون هذه (غلطة مقصودة من أجل تمرير أو كسر للحواجز بين البنين والبنات، أو لهدف فتح باب مستقبلي للاختلاط)، ولم يكتفوا بتسجيل تلك الملاحظة الخارقة، بل بنوا عليها أفكارا سلبية من نسج خيال النفس الأمارة بالسوء ، وطالبوا الوزارة بإيضاح لذلك، وبعد أن تصفحت المنهجين وجدت أن ما شاهده (هؤلاء) كان شيئاً يسيراً مما كانوا يشاهدونه بأنفسهم في زمن (افتح يا سمسم) حيث كان هدف التعليم وقتها لا يعطي مجالا لنمو الأفكار السلبية، فلم تعكس تلك الصور إلا عنوانا للبراءة في وجوه بشوشة تستقبل عاما دراسيا جديدا، ولكن موقفاً مثل ذلك كان كافيا ليكشف عن بقاء آثار للجهل وحجم تضخم الريبة في شريحة من أفراد المجتمع، لدرجة أصبحوا فيها يبحثون عن أي جديد ليبالغوا في التضييق علي الإنسان الذي شككنا في نياته حتى في سنوات طفولته، وهذا تخصص لايتقنه أحد سوانا !!
وبدلا من إضاعة الوقت، لنوجه للوزارة عدة أسئلة مهمة تؤرقنا مثل : عدد المدارس التي صُرفت عليها الميزانية التي رُصدت بـ 3.5 مليار ريال فقط من أجل الترميم والتأهيل؟ وهل تعلم الوزارة أن الطلاب والطالبات صُدموا بالأسلاك المتدلية ودورات المياة المتهالكة والمحطمة في عدد من مدارس الرياض وعسير؟ ناهيك عن المدارس التي تركت دون أثاث، وهل تملك الوزارة لائحة بأسماء المدارس التي وصلت إليها عمليات التصليح والترميم؟
والأمر الآخر الذي يؤرقنا بعيداً عن حكاية صور الأطفال، ما الذي يُعطل الوزارة إلى الآن من عدم تطبيق تدريس اللغة الإنجليزية من الصف الأول الابتدائي، بعد صدور قرار بتدريسها منذ مدة.
وفي خبر آخر جاء مستوى طالبات جامعة الدمام في اللغة الإنجليزية متدنيا بنسبة 50% في المراحل الدراسية المختلفة نتيجة دراسة أعدتها دكتورة علم اللغويات التطبيقية والتعليمية في كلية الدراسات التطبيقية وخدمة المجتمع في جامعة الدمام، وأرجعت ذلك إلى الأساليب التي يتبعها المعلم في التصحيح الشفهي لأخطائهن، وقدمت طريقة جديدة لتحليل أساليب معالجة الأخطاء اللغوية التي تقع فيها الطالبات، التي تُعد الأولى من نوعها في هذا المجال، لتأتي تلك الدراسة مؤكدة علي تفاقم المشكلة ليس فقط على مستوى الطالب بل والمعلم أيضاً الذي لم يتأسس بالشكل الصحيح.
و يدرك التربوي الحقيقي أن تناول المؤسسة التعليمية لموضوع اللغة بهذا البطء فيه تهاون وإهدار لعقلية الطفل في سنواته المبكرة، حيث يعرف علمياً أن الطفل ما بين سن 14-5 سنة يكون قادرا على استيعاب المعلومة وتخزينها، وتتميز الخلايا الذهنية في ذلك العمر بمرونتها واستعدادها لاستيعاب مخزون كبير من المفردات اللغوية والمعلوماتية، وعدم تعلم أساسيات اللغة منذ الصغر هو السبب في تدني مستوى الإتقان و المهارة، والأمر المحبط أن يأتي بعد ذلك الانتظار منهج اللغة الإنجليزية للصف السادس موازياً لمستوى منهج رياض الأطفال ومناسب جداً لسن الخامسة وليس لمن هم فوق سن العاشرة!!
والأمر الذي ينبغي أيضا على وزارة التعليم، والتعليم العالي، ومراكز التدريب في المملكة تغييره وإعادة النظر فيه الشروط في دول العالم الأول والثاني وحتى الثالث، لا يوجد شرط لسن معينة لمن يريد إكمال تعليمه، أو تدريبه فالمجال مفتوح، وفي بلدنا يظل شرط العمر مطلبا أساسيا لإكمال التدريب أو التعليم أو الدراسات العليا، كالمؤبد يجبر عقل الحي على التوقف مدى الحياة !!
تاريخ النشر : 18-09-2013
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2013/09/18/946839