تقاسي بعض الأنفس في هذه الدنيا العذاب بصور متعددة تتجرع فيها المُر في سلسلة متواصلة من المعاناة التي لا تنتهي خلف أبواب موصدة من التعنت والظلم، حيث تخفي بين جدرانها وأسوارها الصلبة بشراً بقلوب أشد قسوة من الحجارة، تُغتال فيها الروح البشرية وتُقيَّد في معزل عن الحياة، ويُمحى من مفرداتها اسم السعادة، ويُغيب فيها الخير والرحمة، إلى أن تستنفد النفس طاقات تحملها لينتحر فيها الصبر، لتخرج عن طورها وتنفجر، وإذا انفجرت صعب جداً أن تعود إلى حالتها السابقة! فتيات يعانين منذ ولادتهن فلا تعرف الواحدة منهن متى خرجت من مرحلة الطفولة إلى الأنوثة؛ لأن معاناتها المستمرة قتلت إحساسها بالأيام وبسنوات عمرها التي أُهدرت بالضرب، حتى الأحلام فرت من منامها من شدة الخوف والوحشة التي تنمو داخلها، فتخاف إحداهن من الاستسلام للنوم لكي لا ترى ما مرت به من معاناة يتكرر مرة ثانية في كابوس يعذبها في منامها!
أُغلقت الستارة أخيرا على قضية فتيات أبها اللاتي تعرضن في منزل أبيهن لأشكال متعددة من العنف بالضرب، والتعليق، والسب، والشتم، والحبس، والتقييد بالسلاسل، والحرمان من الدراسة، بعودتهن إلى حضن والدتهن بعد غياب 19 عاماً من تجرع الذل والهوان، الذى استمر مع الأسف حتى بعد أن توجهت الفتيات بالشكوى للفرع النسوي لهيئة حقوق الإنسان في عسير، التى أحالتهن إلى دار الحماية الاجتماعية في أبها لتكشف عن عشوائية الإجراءات المتبعة في تسليم تلك الحالات، حيث لا تتم بترتيب قانوني، بل بمجموعة إجراءات متناقضة من عدة جهات حكومية سببها ارتباك واضح من تحمل المسؤولية حيث كثيرا ما تتقاذف الشؤون الاجتماعية في عدة مناطق مسؤوليتها وتلقيها تارة على الضحية، أو جهة أخرى أو أطراف النزاع، أو على طول مدة التقاضي، فيصبح أي سبب بسيط عائقا كبيرا يكشف معه القصور المهني لبعض من يعمل في تلك الجهات الحكومية، وتملص آخرين عن حسم تلك القضايا التي تؤخر إيجاد حل عاجل ما يؤدى في كثير من الأحيان إلى زيادة في تطور معاناة الضحايا صحياً ونفسياً حيث تتعرض فيها الحالة النفسية للمعنفات لضغوط عنيفة لا تحتملها النفس تصل ببعضهن إلى محاولة إنهاء حياتهن، وينبغي أن أوضح أن الفتيات جرى تسليمهن لوالدتهن في المنطقة الشرقية منتصف الشهر الماضي بعد أن تجاوب أمير منطقة عسير مع طلب والدة الفتيات التي وفرت لهن المسكن والحماية، في وقفة إنسانية ترحم معاناة الأم والفتيات اللاتي تعرضن لأضرار صحية ونفسية، فيما اكتفت الجهات المسؤولة (الشؤون الاجتماعية، حقوق الإنسان، ودار الحماية والمحكمة) بتقاذف المسؤولية والتمسك بذريعة أن الخلاف بين والد الفتيات الذي يسكن في الجنوب، والأم التي تقطن الشرقية هو السبب في طول مدة بقاء الفتيات في الدار، وليس حالة القصور وبطء الإجراءات الذي تعاني منه تلك الجهات في تناول هذا النوع من القضايا التي تشعرهم بالحرج من اتخاذ إجراء قانوني ضد الأب!
ويرى المتابع لقضايا العنف في المملكة أن أغلب الدور لا توفر الحماية الفعلية، بل غالباً ما تعاني منها المعنفة بسبب خلل واضح في الإمكانيات وآلية الإجراءات، فمن الضروري أن تعمل الدولة بالتدقيق في قوانين وآلية عمل وزارة الشؤون قبل أن تظهر قضية أخرى للسطح، وأهم نقطة أن تتوجه الوزارة بتوظيف كوادر مدربة مؤهلة من اختصاصيات علم نفس واجتماع ومشرفات متخصصات مدربات للتعاطي مع الحالات النفسية، على أن يكون هناك نصاب معين من الاختصاصيات كمتطلب أساس لاستمرارية عمل أي دار في المستقبل حيث يُعد جزءا من مهامها تأهيلُ الضحايا وعلاجها والتعرف على نقاط الضعف في الشخصية المعنفة ومعالجتها، ومن الضروري أن تبدأ الشؤون أو أي جهة رقابية من مراجعة شهادات ومؤهلات العاملين حالياً في تلك الدور وإلحاق من يحتاج إلى دورات تدريبية من أجل تعزيز معنى الحماية نفسياً، لكي تستعيد الوزارة ثقتها بنفسها وثقة المجتمع في أدائها، ولتعزيز عملية الحماية لابد أن يكون هناك إشراف من خارج المنطقة التي تسكنها المعنفة، فمثلا إذا كانت من مكة على الشؤون الاجتماعية أن توفر لهن دار حماية خارج المنطقة في جدة مثلاً إلى أن تُحل القضية، لكي لا يصلهن نفوذ معذبيهم في الدار كما شهدنا في بعض القضايا السابقة التي تم في معظمها تكذيب وتجاهل أقوال الضحية، فما أن تصل المعنفة إلى الدار يجب أن يُوفر لها الأمان النفسي في الدرجة الأولى، ومشرفة معينة تحتضنها وتباشر حالتها موضحة بأن الدار ليست سجناً، ويتم التركيز لتحسين وضعها ونفسيتها وليس باضطهادها، للوصول لمدى الضرر الذي تعرضت له لتفادي أي بوادر للانتحار في المستقبل، والواجب على حقوق الإنسان أن تمنح المعنفة حقها فعليا في تلك القضايا بمنحها حرية الاختيار ومقابلة أفراد العائلة حسب رغبتها، أو في ظل استعداد أحد الأطراف الحيادية في الأسرة لتوفير السكن والحماية حتى لو كان أحد الأطراف المتنازعة ولكن برضى من المعنفة؛ لأنه من حقها العيش مع من ترغب، وأعتقد أنه آن الأوان لتتوقف تماماً هيئة حقوق الإنسان والشؤون الاجتماعية عن الاستمرار بمدح أنفسهم والثناء على ما يقومون به من واجبات متواضعة جدا تجاه المجتمع دون الوصول إلى نصف الدور المنشود من وجودهم إلى الآن، وليدركوا بأن دور الحماية في المملكة بحاجة إلى تطور لكي لا تبقى بالنسبة للبعض كالمستجير من الرمضاء بالنار!