لحقد تركيبة سوداء ترقد في غيبوبة طبيعية، في مكان ما في النفس البشرية، قد تحوي أمراضا أسوأ من «الغل» و«الكراهية» و«الحسد» التي من الممكن أن تخرج معها. لذا، يحاول الإنسان بفطرته دائماً تفادي إيقاظها، فأي محاولة لاستثارتها أو تحريكها قد يجعلها تستيقظ بـ «فزع» من سباتها الطويل، لتخرج بـ «غضب» لهذا العالم كأسوأ تركيبة قد تلتهم الإنسانية وتمزقها وتلحق بها الأذى لسنوات متتابعة.
فـ «الغل» و«الكراهية» عداوة تتغلغل في قلب الحاقد نتيجة بذرها في نفسه بنفسه من دون أن ينتبه في لحظة ما، أو زرعها من قبل طرف آخر في محيطه وتركت لتنمو بحرية لتنتشر «البغضاء» على الأرض، وفي «نفْس» الحاقد رغبة مُلحة دوماً للانتقام من الشخص الذي قد يمقته أو يغار منه أو لديه ما لا يملك، فيقضي جل وقته يراقبه ويتتبع أخباره ويخطط للنيل منه، فما ان تحين له الفرصة المناسبة حتى «يبخّ» غله وكراهيته على العالم بأكمله.
ويعيش على هذه الأرض أفراد ممتلئون باللؤم والدناءة لا يقدّرون المعروف، بل يحملون أكواماً من الحقد الدفين مبني على التعصب لأنفسهم، بسبب شعورهم المزمن بالنقص الذي يؤلمهم نهشه المستمر، فيتربص الحاقد دائماً بمن يحقد عليه ليوقع به الضرر، فإن فشلت مساعيه ومحاولاته يتمزق ألماً من العذاب النفسي، فيحاول بكل ما يملك من غل داخل نفسه تشكيل الظروف التي من الممكن أن تعصف بالشخص الذي يحقد عليه أو يغار منه.
والشخصية «الحقودة» من أسوأ الشخصيات التي قد تقابلها في حياتك، فلا تنبت في أرضها نبتة شفقة أو إنسانية، ولا تكل ولا تهدأ إلا بعد أن تدمرك نفسياً، فتبدأ هجومها بالتطاول عليك في غيابك بالهمز واللمز والحط من قدرك والتقوّل عليك بما لم تقله من دون أي سبب، وتظل تتابعك لتستمتع بتلك اللحظة التي تنجح فيها مساعيها من تدمير حياتك أو إلحاق الضرر بك.
وقد يفجر الحاقد مخزونا من الكراهية في أي لحظة إن لم يجد متنفساً لـ «بخّ» سمومه النفسية، فيبحث عنك ويهيئ الظروف ليتصادف معك حتى يخرج ما في نفسه من حقد وخسة، فكم من الأشخاص الذين خدمتهم أو أسديت لهم معروفا لوجه الله صدمك حين اكتشفت بأنه كان المصدر الرئيس لترويج الشائعات والأكاذيب حولك.
فبدلاً من تقدير صنيعك أو الصمت، صبّ جام حقده الأسود عليك، لأنه لم يستطع مواجهة نفسه المريضة أو لومها على الأخطاء التي ارتكبها بحق نفسه في حياته ولم تفعلها أنت.
ونستطيع اليوم التعرف على الفرد الحاقد في الأماكن العامة، فمثلاً إن كان الحاقد من الذين يكرهون النظافة ويتعمد التخريب أو الكتابة على الجدران، فهناك قوانين وأنظمة في الدولة من شأنها أن تلقنه دروساً قاسية في السجن، لتُعلمه كيف يتعامل مع غله غير المبرر مستقبلاً.
وفي أماكن العمل، تجلِب بعض المناصب أحيانا لصاحبها الكثير من الحقد والحسد، من أشخاص لم يجدوا في عوالمهم الخاصة أي شيء ممتع إلا البحث عن طرق مقيتة لإيذاء ومحاربة الناجحين، لينتقم الحاقد لنفسه من أشخاص كانوا يشعرونه دوماً بالنقص من دون أن يكونوا آذوه فعليا، وربما أصبحت مكائد العمل مقيدة بعض الشيء بعد أن تمت محاصرتها بأنظمة عمل جديدة لا تتيح لها التمدد والانتشار طويلا.
ولا يخرج الحقد إلى أماكن العمل إلا بعد أن يتم بذره وتربيته في محيط الأسرة، وهذا في منظوري أحد أهم الأسباب وأكبرها.
فنشوء الحقد بتركيبته السوداء داخل محيط الأسرة يجعل الأمر أشد خطورة وتعقيداً، فالحاقد داخل الأسرة قريب من أفرادها ويعرفهم جيداً، وربما يعرف نقاط قوتهم وضعفهم، وهذا يجعله يجيد اختيار الطُعم المناسب لكل شخص يحقد عليه لاستفزازه وافتعال المشاكل، وإذا كبُر «الغل» في نفسه تمكن من إلحاق الأذى بالأخرين بكل سهولة، خاصة وأن قوانين كثير من الأسر لا تخضع لأي اعتبارات نزيهة حين يتعلق الأمر بالحق، بل يعتمد بعضها على خلق استثناءات غير عادلة وغير منطقية لتبرير الخطأ، من أجل الاحتفاظ برباط الأسرة من التفكك!
وقد تترك الأسرة الواحدة فردا أو أكثر من أفرادها لممارسة حقده وكراهيته من دون أن يتم إيقافه أو مواجهته من قبل أي شخص، بل أحياناً إن تم انتقاده من شخص حكيم يتصدى له آخر ليبرر ذلك الحقد ويربطه بأسباب واهية تبرر للحاقد أذية الآخرين، مع أن الحقد ليس حالة عارضة تدخل الإنسان في ممارسات مذمومة لفترة محددة فقط، بل مرض لا يترك من يصاب به بسلام، أو من تلقاء نفسه من دون علاج، وهذا ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً داخل الأسرة، ما يجعل الحقد يتفاقم إلى أن يصبح متوارثا.
ما زلت مؤمنة بأن كل شيء في هذه الحياة يبدأ تكوينه من بيت الأسرة. لذا، بات من الضروري أن تتخلى بعض الأسر عن كبريائها وتواجه المشاكل النفسية التي ترصدها بشكل مباشر وجريء، لتقف على احتمالات انعكاساتها السلبية على المجتمع إن تركت من دون علاج أو تقويم.
والأهم، لا تبتئس من لؤم الحاسد مهما يكيد لك، فالنار بعد أن تأكل نفسها تصبح.. رماداً.

