هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

أوقفوا الطريق إلى القرية

الوطن | 0 تعليقات

تعالت أصوات الزغاريد في منزلنا حين صدر قرار تعييني كمدرسة في إحدى القرى القريبة جداً والتي تبعد أربع ساعات ونصف من مدينتي، كان الجميع سعيدا جدا وسجدت والدتي شكراً لله بعد أن أصبح لدينا دخل ثابت.
توفي والدي أثناء السنة النهائية لي في الجامعة تاركاً لوالدتي أربعة إخوة، كنت أدرس أبناء الجيران في جميع الأوقات كي أوفر احتياجات إخواني الذين مازالوا يدرسون في المرحلة الابتدائية والمتوسطة. كان الجميع سعيداً بخبر تعييني. اتفقنا مع سائق لكي يوصلنا في مهمة استكشافيه للقرية، ذهب الجميع معي ذلك اليوم ولكن ما أن بدأ الطريق يضيق حتى بدت ملامح القلق والخوف تعتري والدتي التي كانت تنظر لي وللطريق بذهول، بعد السواقة لمدة ثلاث ساعات. أصبح الطريق المزدوج خطا واحدا والتجاوز فيه أصبح في منتهى الخطورة وضربا من ضروب الانتحار خاصة حين نحاول تجاوز شاحنة.
وصلنا إلى القرية التي كانت تبعد 70كلم من حدودنا مع إحدى الدول المجاورة بعد أن سألنا المارة على الطريق الذي يدخلنا إليها حيث لا يوجد لها أية لوحات إرشادية، وما أن وصلنا حتى أصبنا جميعا بحالة ذهول، وكأن الطير على رؤوسنا.
القرية لا تمت بصلة لما قيل لنا عنها، فوق ذلك صدمتنا رائحة المجاري التي كانت تشفط في صهاريج كبيرة بشكل بدائي، تعرفت على مدرستي، ووقعت اسمي ووعدت المديرة بالعودة في يوم مباشرة العمل.
عدت إلى المدينة، حيث حاولت إقناع والدتي بالسكن هناك لبعد المسافة، ولكن لم تستطع أن تتقبل هذه الفكرة أبدا ورفضت حتى المباشرة بالعمل هناك بعد أن رأت وعورة الطريق وبُعد المسافة.
جلست سنة كاملة أنتظر هذا التعيين، وكل من في منزلنا كان ينتظر شيئا من وراء ذلك الراتب الذي بنينا آمالاً وأحلاماً عليه بعد وفاة والدي، رجوت والدتي بالذهاب وأقنعتها وذهبت، اليوم الأول كان صعبا لأنه بدأ الساعة الثانية والنصف صباحا، خرجت من المنزل لأول مرة في حياتي في ظلام دامس مع سائق استأجرناه أنا وزميلاتي الثلاث بأجر عال نسبيا بالمقارنة للراتب الذي من المفترض أن أستلمه وهو أربعة آلاف ريال.
وما أن وصلنا إلى الطريق الضيق، حتى بدأت مراحل الرعب في الرحلة، توقف السائق في منتصف الطريق لتعبئه خزان الوقود وسرعان ما توجهت أنظار أصحاب الشاحنات في المحطة نحونا وكأنهم يرون نساء لأول مرة في حياتهم، مجموعة بنات في سياره “جيمس” في منتصف الليل في محطة بنزين بعيداً عن أي صلة بالأمن، تقدم أحدهم ودق على نافذة السيارة بشكل مخيف “خدمة يا بنات”، فلم نتحرك وجمدنا في أماكننا حين تقدم آخر وآخر وأصبحنا محا طين بهم من جميع الجهات، وضعت يدي على أداة التنبيه وأطلت إلى أن أتى السائق الذي تفاجأ من ذلك التجمع، حمدت ربي لأن السيارة كانت مغلقة من الداخل، ولكن منظرهم وهم ملتفون حولنا كالذئاب كان كفيلا بإخافتنا.
وحين أكملنا المشوار كدنا أن نصطدم بشاحنتين على التوالي في محاولة يائسة من السائق للتجاوز ولكن الله لطف بنا، وصلنا أخيراً على بداية الحصة الأولى التي بعدها اكتشفت ثاني صدمة بعد أهوال الطريق وهي أنني سأدرس جميع الصفوف للمرحلتين المتوسطة والثانوية اللغة الإنجليزية، حيث كنت المدرسة الوحيدة التي تصل للقرية تخصص لغة إنجليزية، وهذا جعلني أدرس 8 حصص يومياً دون توقف.
الخدمات في القرية كانت شبه معدومة، ناهيك عن الخدمات السيئة على الطريق، التي كانت تخدم فقط أصحاب الشاحنات خدمة سيئة أيضاً.
كانت جميع المدرسات يشتكين من رداءة كل شيء في المدرسة، البناية، أرضيات المدرسة، الفناء الخارجي، دورات المياه التي تشعرك (بالقرف) حيث كنا نتمنى الذهاب إلى البر عن دخول دورات المياه تلك،سور المدرسة المتهالك، النوافذ المكسرة، والجميع يتحمل كل شيء على مضض تأملاً بموافقة الوزارة على النقل. قالت لي إحدى الزميلات وقتها إنها تنتظر النقل منذ 4 سنوات، فشعرت بغصة تسد حلقي وكادت دمعة تخرج من عيني من خيبة الأمل، عمليات النقل كانت أشبه بالإفراج، شعرت بأنني سأظل مسجونة سنوات في هذه القرية قبل أن يفرج عني بقرار نقل أراه معلقا آمال الكثيرات قبلي، فقدت الحماس على مواصلة التدريس ولكن تذكرت احتياجات أمي وإخوتي، فأغمضت عيني ورحت أفكر فيهم حين أدخل عليهم بملابس وأحذية جديدة وفتحت عيني على جرس الحصة ليذكرني ببداية واقع أليم كان لابد أن أعيشه ويعيشه كثيرون غيري من أجل لقمة العيش وحياة كريمة كان لابد أن أوفرها لأهلي.

بعد أن استلمت الراتب الأول، ضاعت كل أحلامي وأحلام أسرتي التي أعيلها، كان جزءا كبيرا من الراتب المغموس بالرعب والذل ومهانة الطريق يذهب أجرة للسائق، وأجرة الغرفة التي كنت أستأجرها مع زميلاتي أيام الامتحانات للنوم فيها حيث كنا نصحح أوراق الامتحانات لوقت متأخر يصعب الرجوع فيه.
وفي يوم من الأيام مرضت مرضا فيروسيا حادا أقعدني في الفراش 3 أيام، سمعت بعدها حكاية ضياع زميلاتي الثلاث في حادث شنيع وجها لوجه مع شاحنة في ذلك الطريق الضيق.
وفي لمح البصر كل شيء ضاع، ضاعت زميلاتي، وضاعت أحلامهن وأحلامي وضاع مستقبل العائلات التي كن يعلنها.
وتركن أمهات ثكالى، وأطفالا رضعا من أجل حفنة ريالات كانوا في أمس الحاجة إليها، إحداهن كانت تحلم بشراء ملابس جديده لطفليها، والأخرى كانت تريد شراء ساعة لوالدتها، وتذكرت ملابس إخواني وأحذيتهم التي تمنيت أن أفاجئهم بها، كي لا يكونوا أقل من زملائهم في المدرسة، ولكن لم أر نفسي تريد الذهاب في نفس الطريق الغارق بدمائهن وجلست أعاني من تلك الحادثة سنين ولم تنته إلى الآن معاناتي حتى بعد أن عافت نفسي التدريس.
لم تكن هذه المأساة حديثة بل مضى عليها أكثر من 10 سنوات تقريباً، ويبقى الحال كما هو عليه لم يتغير شيء طوال هذه المدة، الذي تغير الأفراد في وزارة التربية والتعليم، ولكن القوانين “محلك سر” والذي زاد عدد الضحايا، والذي ترعرع ونما وتغذى طوال تلك السنين (الواسطة) التي باتت تأخذ عدة أشكال وتتخفى وراء العديد من القرارات وتلعب دورا كبيرا في المكاتب الصغيرة.
أكثر من 10 سنوات مرت ولم يستطع النظام التغلب على الواسطة التي باتت تلعب الدور المحوري في وزارة التعليم للأسف، لم تتطور الوزارة ولم تتحرك لفعل شيء يوقف هدر المزيد من الدماء، إلى وزارة التعليم وكل جهة تعمل في هذا الشأن، إلى متى ستظلون تتركون بناتنا للموت الذي يتربص بهن يومياً في الطريق إلى القرية من أجل حفنة من الريالات؟، إلى متى ستظل المعلمة مهددة ومستذلة بقرار النقل بشرط المباشرة في المريخ؟، متى ستُعبّد الطرق الوعرة التي أجهضت العشرات من المعلمات، وكسرت ظهور مئات آخرين؟.. هل ذلك الراتب الذي تتسلمه المعلمة بحجم ذلك المشوار والتضحيات التي تقدمها؟، حين يبدأ يومها في ظلام دامس تاركة أبناءها ولا تدري إذا كان هناك عودة في نهاية النهار أم تذهب لظلام المقابر؟.
الحل يا وزارة التعليم، متى ستطورون بنات القرى والهجر وتخططون لذلك بشكل إيجابي ومدروس، بدلاً من العشوائية التي ترسلون فيها بناتنا للقرى والهجر من عشرات السنين في عمليات التعيين والنقل.
لماذا لم يصرف للمعلمات بدل طريق، وبدل خطر، وبدل إجهاض، وبدل مرض، وبدل موت؟ لا نريد أن تراق المزيد من الدماء من أجل حفنة ريالات ببدلات رمزية، المعلمات والمعلمون يريدون مصداقية في عمليات النقل دون واسطة مقنَّعة بكلمة (لما يجيكم الدور).
دفعت المعلمات ثمن حاجتهن للوظيفة من دمائهن التي ما زالت رطبة بعد ذل وإهانة هنا وهناك للقبول، تريد أن تنقل إلى محل أسرتها، تريد أن تكون بجوار أولادها، تريد أن تكون في برنامج لمّ الشمل الذي أستحدث وألغي في نفس الوقت، إلى أن ماتت، رحم الله أخواتي المعلمات وأسكنهن فسيح جناته، ورحم الله كل معلمة ماتت وهي في الطريق إلى القرية.
سبع سنوات من الخدمة لم تشفع لمدرس بأن تنظر الوزارة في طلبه للم شمله مع زوجته، وفي النهاية يُطِل عليه موظف بشكل يسيء لسمعة الوزارة ويقول له: “إن برنامج لمّ الشمل تم إلغاؤه”، ولم يكتف، بل بالغ في استهتاره حين قال له: “لماذا لا تستقيل زوجتك”، وحين وضح المدرس أن الحاجة هي التي دعت زوجته لتعمل، أجاب المسؤول المحترم: “دعها تذهب إلى أهلها إذا كنت غير قادر على مصروفها”، وربما لكي يحل مشكلته يقول له: “طلقها”، بدلاً من أن يساعده بلم شمله مع زوجته!، هذا يعني بأن في وزارة التعليم موظفين بحاجة للتعليم الخاص.
يا وزارة التعليم أرجعوا بناتنا من القرى الآن فنحن بحاجة إليهن، واجعلوا اليوم العالمي للمعلم الذي يوافق (11 رمضان) يوم العودة النهائي من القرية، وبداية مباشرة كل في مدينته، ويكفي غربة وتغريبا، لا تهدموا الأسر المحتاجة للوظيفة في مجتمعنا بسبب قرارات نستطيع تغييرها، القرار بأيديكم وكما ألغيتم قرارات سابقة أوقفوا الطريق إلى القرية.

الوطن: 6-10-2006

الحقوق تنتزع
خط الفقر
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©