مرت سنة وأنت في القلب يا أبو متعب، لم ننسك، ولم ننس صوتك وطلتك، ولم ننس بسمتك ووصيتك، بل كنت حاضرا في دعواتنا مع أمواتنا وأموات المسلمين. وقبل أن تجيش مشاعرنا بذكراك، نبشرك بأن أخاك «أمين سر الملوك» كان قريبا منا، فلم يمسح على قلوبنا بوقوفه معنا ساعة وفاتك فقط، بل عزّانا قبل أن نُعزيه، وسأل الله التوفيق لخدمتنا وتحقيق آمالنا وأن يحفظ لبلادنا وأمتنا الأمن والاستقرار. فالتففنا حوله وبايعناه على قلب رجل واحد. ليكمل كل ما بدأه من إصلاحات شاملة، متلمساً رغبتنا واحتياجاتنا كشعب على الصعيد الداخلي. كما سجل للمملكة على الصعيد الخارجي حضورا دوليا كبيرا بمواقفه الحازمة. خاصة خبرة الملك سلمان في الإدارة والسياسة تمتد على مدى 49 عاما، منذ أن كان الحاكم الإداري لمدينة الرياض، تتلمذ أثناءها على يد أربعة ملوك بأربع مدارس متوازية تصب في مصلحة الوطن، فاستقبل المعزين والمبايعين، وعلى رأسهم سيدات الشورى اللاتي بايعنه أمام العالم، لتصل الرسالة واضحة بأن المرأة السعودية، ستظل لها مكانة في الدولة ودور لا يقبل التنازل أو التهميش، وأن رؤية وسياسة عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله-، في تمكين المرأة السعودية سياسياً واجتماعياً، يكملها الملك سلمان ومن بعده بنفس النهج.
وحين وجد القائد بأن 65% من سكان المملكة تحت سن 35 سنة، شعر بالواجب تجاه متطلبات الدولة الفتية، فغيّر نظاما كان قائما لعُقود، وأدخل دماء جديدة شابة، لتواكب احتياجات هذا الجيل، ولترفع من سرعة أداء الدولة للمرحلة المتسارعة المقبلة، فسمح بتعيين وزراء في سن الثلاثينات والأربعينات من العمر، واستقطب خبرة آخرين من القطاع الخاص، من أجل الارتقاء وصناعة التغيير بجودة مستمرة في المملكة. وفي هذه السنة افتتح سلمان معرض (الفهد) نيابة عنك، واستحضر تاريخ الفهد -رحمة الله- عليكم جميعا، ووقف طويلاً أمام صورك، وأمام أخرى جمعت بقية إخوانك الذين رحلوا عنا بأجسادهم وتركوا بصمة في الوطن والتاريخ. وربما يظهر على تقاسيم سلمان بن عبدالعزيز القوة والتجلد، ولكن ردة فعله تجاه بعض الأمور، كانت دائماً تدل على أنه يحمل قلباً ليناً يتأثر بمعاناة الآخرين، فرأينا كيف زار واطمأن بنفسه على مصابي الرافعة، وسخر الدولة وأجهزتها للعناية بهم، إلى أن تمت معالجتهم وأنهوا شعيرتهم ووصلوا إلى بلدانهم آمنين. وأيضا تأثره بكل ما يؤذي شعبه، فلم يرض لهم الإهانة، فعلى سبيل المثال حين أعفى وزير الصحة السابق بعد مقطع (الوزير مهوب شمسن سارزة)، سجل موقفا آخر في حرصه كقائد، على أن يكون التعامل مع المواطنين باحترام وهوادة، فالمريض في نهاية الأمر يُعاني من مرضه أو مرض أحد أحبابه، ولا ينبغي أن يُنهر. لأنه لم يكلف أي وزير في الدولة سوى لخدمة المواطنين. واستمرت إصلاحات الملك سلمان الإدارية، بإلغاء 12 لجنة وهيئة ومجلسا أعلى، مثل المجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للإعلام والمجلس الأعلى للأمن الوطني وغيرها، وتم دمج وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي، لتصبح وزارة واحدة تحمل اسم (وزارة التعليم)، وتم إنشاء مجلس للشؤون السياسية والأمنية، وإنشاء مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وتم العفو عن سجناء الحق العام، وصرف راتبين لجميع أفراد الشعب والمتقاعدين، ولجميع الطلاب والطالبات، ودعم الجمعيات الخيرية بـ 2 مليار، وصرف 10 ملايين لكل نادٍ أدبي ورياضي، واعتمد 20 مليارا لخدمات الكهرباء والمياه، ووجه بتعديل سلم معاشات الضمان الاجتماعي وضم قوائم الانتظار لذوي الاحتياجات الخاصة للإعانة وغيرها كثير، ولم تتباطأ سرعة التغييرات التي كانت تحدث حولنا، بل استمرت لتنقلنا لعصر جديد، حين وافق على نظام رسوم الأراضي، منحازا إلى كل ما يصب في مصلحة المواطن، كما دشن لنفسه حسابا على تويتر أحد أكثر وسائل التواصل شعبية لدى المواطنين، الذين اتخذوها كمنصة لعرض همومهم والتعبير عن آرائهم. ليطلع بنفسه على كل ما يحدث في الشارع السعودي. وأثناء كل تلك الإصلاحات الداخلية، كان يعمل في نفس الوقت على الجبهة الخارجية، فأطلق عاصفة الحزم التي أعادت للوطن العربي كرامته، ثم أطلق بعدها عملية إعادة الأمل في اليمن، ولم تنته مواقفه الحازمة، بل زادت حين تم استدعاء السفير الإيراني وقطع العلاقة مع حكومة إيران التي لم تحترم القوانين والمواثيق الدولية. ولم يكتف بذلك بل فاجأ العالم بإنشاء التحالف الإسلامي العسكري، الحلم الذي أصبح حقيقة لتتحد الدول الإسلامية وتجتمع على قلب رجل واحد. 2015 على قدر ما كان عاما غائما حزينا، إلا أن القائد سلمان بن عبد العزيز بدد تلك الغيمة وحولها إلى كثير من الفخر والإنجاز.