لم نفهم المعنى الحقيقي للحب، ولم نتعلم أساسياته بالطريقة المُثلى التي تُمكننا من إجادته مع مَنْ نُحب أو حتى لنوظفه بالطريقة المناسبة، التي تمنح النفس مزيداً من الراحة والأمان، وكثيراً من الثقة والاستقرار، كانوا يتجاهلون التعريف عنه في المدرسة حين يمرون به في نص مباشر يصِفه، ويتحاشون الخوض في تفاصيله في المنزل، وكان المجتمع يعتبره من الممنوعات، وحين أدرك المرء بالفطرة بعضاً من ملامحه الجميلة التي لم تُمنح فرصة كافية لتكتمل، تم استخدامه كوسيلة للتحايل باستغلال مشاعر الآخرين، وكأداة تُبرر من خلاله كثيرٌ من الأخطاء التي تُرتكب.
تبدأ حكاية بوفاة والد (خلود) ابنة السابعة عشرة، التي يُزهر لرقتها شجر الياسمين، حيث حولتها أول معاناة في حياتها إلى فتاة جادة تفكر بطريقة أكبر ممن هم في سنها، حلمت بإكمال سنوات الجامعة سريعاً لتتخرج وتعمل لتساعد والدتها، وتتقاسم معها المسؤولية ومصاريف الحياة، تراكمت على الأرملة ديون وإيجار المنزل، الذي عجزت عن دفعه لصديق زوجها مالك البيت الأصلي، وكان كثيراً ما يؤكد لها أن المرحوم كان من أحب الناس إلى قلبه، ويتمنى أن يصبحوا أسرة واحدة يتحمل هو مسؤوليتها لأنه يشعر بالتقصير، لمَّح للأم أكثر من مرة أن تعتبر تلك الديون مهراً لابنتها، وأبدى استعداده لدفع مزيد للتخفيف عن الأسرة، وفي كل مرة كانت الأم تطلب منه الانتظار ريثما تنهي الفتاة الثانوية ويكتب الله (النصيب)، لتوهمنا ردة فعلها بأنها كانت حريصة على مصلحة وتعليم الفتاة، بعد أن جهزت النصيب (الشماعة المترهلة) التي نستمر بإلقاء القرارات والاختيارات الخاطئة والمواقف السلبية عليها، بينما كان أمام الأم أن تختار العمل بدلاً من أن تجعل مستقبل ابنتها ثمناً لحاجة الأسرة، فما كان من الصغيرة سوى الاستجابة لرغبة والدتها، التي عزفت لها على وتر الحب الذي كان عليها أن تثبته وتؤكده لأمها، فتخلت عن حلمها وطموحها وتزوجت الابنة.. وقبضت الأم الثمن!
يبقى الحب الحقيقي حالة مميزة تمنح صاحبه طاقة من العطاء وإخلاص في البذل والإيثار، لم تكن حالة ضعف كما يظنه كثيرون، ولا يحتمل التمثيل لأن قلب المؤمن دليله دائماً ويتعرف على حقيقته دون عناء.
وفي حكاية أخرى إحساس آخر… كانت مجرد فكرة أن يتزوجها من سابع المستحيلات وفي منتهى الصعوبة، فكان عليه أن يجتاز عديداً من العراقيل للوصول إليها، وكان أمامه أيضاً مواجهة فكرة إكمال حياته من دونها، الفكرة التي لم يستطع تحملها أبداً، خاصة بعد أن خرج للتو من تجربة زواج باءت بفشل ذريع، في نهاية الأمر تجاوز جميع الصعاب وتزوجها بعد قصة حب عارمة سعى فيها بكل جوارحه ليكسب حُبها، كانت حياته جميلة، مرتبة ومليئة بالحب وكأنها صُممت على مقاسه، ولكن ما إن بدأت مسؤوليات الحياة في الظهور حتى بدأ التغيير، فأصبح يستخدم في كل سوء تفاهم أو اختلاف الصراخ لإخافتها تارة أو بتهديدها بالطلاق تارة أخرى، خاصة حين يشعر بأنه مُحاصر في أخطائه التي لا يسمح له كبرياؤه كرجل بالاعتراف بها، فكان من النوع الذي يهرب حين يتعرض لأي ضغط من عمله أو من أسرته، فيترك وراءه مسؤوليات منزل وأبناء ويبتعد لشعوره بالغضب، وحين يهدأ يعود يعزف على وتر الحب، اعتادت هي مع الأيام تغطية ذلك النقص والقيام بكثير من مهامه كأب، ليختفي من حياتها الزوج، فحين تتفاهم وتعاتبه يغضب ويهرب، وحين تحزن أو تمرض يغضب ويهرب، وفي أي موقف صعب يغضب ويهرب، اعتاد أن يردد في خلافه أنه أفضل من بقية الأزواج لأنه إلى الآن لم يمد يده عليها، بل ينبغي أن (تحمد ربها) لأنه لا يضربُها، وكأن حقيقة الزواج قد بُنيت بشكلٍ مُسلم على أساس أن ضرب الرجل لزوجته من الأمور الأساسية التي لا تكتمل إلا بها الحياة الزوجية! في إحدى المرات ظل يصرخ متوعداً بالزواج بعد أن اتهمها بالقُبح والخيانة، وحين أدرك أنه تجاوز حده عاد بعد ثوانٍ يعزف لها على الوتر نفسه، الذي قطعه منذ قليل، فالتقطت ما تبقى لها من كرامة وغادرت بيته وحياته إلى الأبد.
الحب إحساس تلقائي فطري غير مشروط وليس مجموعة من الورد والفراشات تنهمر من السماء في كل مرة تغمض فيها عينك، بل مجموعة من المواقف المحترمة التي تُبنى على أساسها مشاعرك تلقائياً، لا تُقبل فيها المساومة بمصلحة مَنْ تحب أو باستغلال جزء من عواطفه تجاهك، بل تأتي لتعزيز مدى ثقته بك، والعزف على أوتار الحب لا يقوم به إلا المُدعي الضعيفة حجته الذي يستخدمه للخروج من مأزق أو من ظرف معين وضع نفسه فيه، فإن نجحت مرتين باستغلال عواطف مَنْ يُحبك، فتأكد أن المرة الثالثة سيُصبح عزفك نشازاً، فلن تجد أذناً تسمعك، أو قلباً يثق في مشاعرك على قدر ما يتمنى أن يتخلص منك.
تاريخ النشر : 28-08-2013
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2013/08/28/928342