كان يومي طويلاً وسيئاً للغاية في العمل. الليلة الماضية اختلفت مع زوجي ونمت حزينة بعض الشيء، ولكنني كُنت أحرص دوماً على خطة بديلة لتعديل النفوس والمزاج لليوم التالي, أعددتُ العشاء مبكراً ورتبت المنزل وألبست الأطفال أحلى الملابس لاستقبال والدهم كالعادة, كنا نتأنق جميعاً لاستقباله حين يعود من عمله، لكي نبدأ معاً يومنا الأسري القصير الذي تضيع ساعات النهار فيه بسبب ظروف عملنا.
دخل وسلمنا عليه كالعادة وفرحنا به مثل كل يوم وكأننا نراه لأول مرة. جلس على الأريكة بعد أن انتهى من معانقة صغارنا ثم تناول جهاز الـ ريموت كونترول لتبدأ الطقوس اليومية.. من دون المبادرة إلى السؤال عن أحوالي أو حتى الاهتمام بي.
أخذتُ نظارته ومفاتيحه وعلبة سجائره، ووضعتها على المنضدة وقلت له: “ملابسك جاهزة في غرفة النوم إذا تحب أن تلبسها بعد أن تغتسل”، قال من دون أن ينظر إلي : “بعدين”. جلستُ بجواره في محاولة يائسة للفت نظره إليَ , خاصة بعد أن غيرت لون وتصفيفة شعري , ولكن عينيه كانتا معلقتين بشدة على الشاشة، تحركت لعل وعسى أن تداعب أنفه رائحة عطري المميزة التي كان يُفضلها في بداية زواجنا ولكن من دون جدوى… كان يحدق في التلفاز بشكل عجيب وكأنهُ لم يُشاهده طيلة حياته .
لم أفقد الأمل مع هذا الإنسان الذي عشت معه طيلة السنوات العشر الماضية، ولكن الشمعة الرومانسية داخلي تحترق وأوشكت على الانتهاء، تريد التوقف عن القيام بدور البطولة الفردية في الوقت الذي تحتاج فيها الحياة إلى دور البطل لإتمام القصة.
أخيراً نظر إليَ طويلاً وكأنه انتبه للتغيير ولكن لم ينبس ببنت شفة… فعاجلته بابتسامة عريضة لأفتح شهيته على الكلام… فتح فمه وكاد أن يقول شيئاً , ثم غير رأيه ونظر إلى التلفاز مرة أخرى… وكأنه سيفقد شيئاً من رجولته لوا أثنى على ما رآه ، كنت أشعر أنني جميلة جداً في ذلك اليوم الذي استأذنت فيه من عملي مبكراً ,لأسبقه إلى البيت لخلق نوع من الجو يبدد الزعل والتشنج الذي حصل الليلة الماضية، ولكي أشعره بأنني سامحته , مع أنني أعلم بأنه لا يفرق معه إن رضيت أم لا، ولأنه لا يفعل أي شيء، اعتدت أن أرضى بنفسي وأرفع معنوياتي بكل ما يوجد لدي من عزم وإرادة , لإكمال حياتي مع ذلك الرجل الذي اخترته بنفسي , ولا أريد أن أستسلم لواقع أليم يشير إلى أن اختياري كان سيئاً.
انتهى من التلفاز وبدأ بقراءة جرائد العالم كلها… وأنا مازلت بجواره أحاول شد انتباهه، حاولت أن أتغاضى عن تجاهله المتكرر ثم قلت في محاولة مستميتة لجذبه للتحدث معي: “هل هناك أخبار جديدة اليوم لا علم لي بها، ماذا تقول الجريدة” ؟ لم يرفع حتى رأسه نحوي واكتفى بقول “لا شيء جديد”. كنت أشعر بأنه يخونني ولكن لم أكن متأكدة , ولم أضع يدي حتى الآن على شيء ملموس، لكل امرأة رادار خاص بها, يلتقط عوارض الخيانة من على بعد، من دون حتى أن يتحرك الرجل من جوارها، ذلك الرادار قال لي إنه يخونني, وبعد فترة بدأت أسمع همسات من حولي… تهمس بما شعرتُ به ولكن لا يوجد امرأة محددة! مازال منهمكاً بقراءة الجريدة… رفع عينيه بحثاً عني وحك بطنه للإيحاء كالعادة بأنه جائع… الآن فقط نظر اتجاهي, إنه موعد (الطعام) ابتسمت وقلت هل اُحضر لك العشاء حبيبي؟ فهز رأسه بالإيجاب وعاد ينظر إلى الجريدة.. ولا أدري لماذا لا يفتح فمه ويقول شيئاً بدلاً من الأوامر والنظرات وكأنه سيفقد جزءاً من حياته، ليته يجن يوماً ويقول كلمة حلوة يُطرب بها مسامعي كما كنت دوما أفعل معه.
اقتربت منه وقدمت له صحناً من الخضار المطبوخ على البخار مع قطعة من اللحم المشوي، رمقني بنظرة غضب ووقف وكأنني قد صدمت سيارته من الخلف قائلاً:”ما هذا؟” قلت له مبتسمة: “سوتيه”…واستغربت لأنها لم تكن أول مرة يتناول هذا الطعام. قال: “آوووف” ونفخ في وجهي برائحة فم كريهة: “ما هذا الهراء وقلة الاحترام اذهبي وآتني بشيء من الأرز واللحم ولا تمازحيني مرة ثانية وأنا جائع” .
تناول عشاءه الدسم الذي يتكون من الأرز واللحم بعد أن (قضى على شهيتي) وتمدد على الأريكة (وكأنه حامل) أمام التلفاز بعد أن لبس ملابس المساء والسهرة (الفانيلة والسروال) وبدأ بإلقاء الأوامر السخيفة، أريد قدحاً من الشاي، أين النعناع؟ أريد ماءً، أين المكسرات والتسالي، كيف أجلس من دون تسلية يا امرأة ؟ أنت إنسانة مُهملة لماذا لم تشترِ مكسرات؟!
كُنت أتحرك سريعاً بينه وبين أطفاله التي كانت طلباتهم أقل منه، نظرتُ إليه طويلاً وكأنني أراه للمرة الأولى, ذهبت إلى غرفتي وبكيت من شدة الخذلان والإخفاق الذي أعيشه!
كانت أول صدمة لي في حياتي، عندما فاجأني كم هو اتكالي في أول يوم زواج عندما طلب مني أن أسكُب له كأساً من الماء الذي كان أمامه على طاولة العشاء الرومانسي وحين نظرتُ إليه باندهاش قال مستنكراً: «أجل.. لماذا إذاً تزوجتك؟».
كانت عبارة سخيفة… بددت معها إضاءة الشموع والجو وكل شيء!
تزوجته بعد تفكير طويل وأحببته بعد أن اكتشفت أنه يملك قلباً طيباً… لا يضرب ولا يُهين، ولكن بعد فترة أصبح رجلاً مملاً… غريباً مليئاً بالمتناقضات… وكثير النقد والتلكُك على أتفه الأمور.. جاف يفتقد للكياسة في أغلب الأوقات ولا سيما معي… يُحب أن يغضب دائماً لكي يجد فرصة يتغيب فيها عن المنزل طويلاً، يتعمد أن يعاملني كما لو كنت جاهلة أو معاقة، وحين أعترض على كلامه وألفاظه غير اللطيفة، كان يبرر أن والده كان يقول ذلك لوالدته وأنا لست بأفضل منها!
الصدمة الثانية التي عانيت منها هي الملابس المنزلية… طلبت منه مرة أن يُبدل ملابسه لأن أسرتي سيقومون بزيارتنا للمباركة بعد أن وصلنا من شهر العسل… رفض واعتبرها إهانة وقال:”لماذا أبدل ثيابي؟ أريد أن أكون على طبيعتي، لماذا أتأنق لهم؟ وهل سأذهب إلى حفلة مع أصدقائي”!؟
ومرة أخرى أحرجني أمام زميلاتي في العمل , حين أوصلني بالملابس التراثية (الخاصة بالمنزل)… اضطررت أن أبرر لهم وقتها بأنها غلطتي, لأنني لم أعطه فرصة لتبديل ملابسه بسبب تأخيري.. والحقيقة أمرّ من ذلك… المشكلة أنه رجل أنيق أجلس أتابعه حين يلبس لمقابلة أصدقائه , وأحياناً حين يكون لديه أحد الاجتماعات المهمة في العمل يبدأ بالتفنن في تحديد ذقنه وفي النهاية, يبدو وسيماً للغاية , لدرجة أنه في أحد المناسبات أحضرت الكاميرا وصورته, لكي أحتفظ بشكله وهو أنيق أمام ناظري! ولكن حين يأتي من عمله لا يكلف نفسه المرور على أي مغسلة في المنزل لغسل وجهه أو يديه.. وما أن يخلع ملابسه حتى تتغير شخصيته.
كنت أتمنى أن يدخل وهو في شوق للجلوس أو الحديث معي، ولكن صديقاً ما قال له لا تقدّر زوجتك ولا تفتح معها مواضيع تجعلها تتجرأ عليك… لأنه ما أن تأخذ عليك حتى تبدأ بالسؤال أين تذهب؟ ومتى ستعود؟! سمعت إشاعة تقول إنه رائع في الحديث مع الجنس الناعم… كما يمتدحون تعامله في العمل كثيراً… ولكن ما أن يدخل المنزل يتجهم وجهه… حتى لو كان يومه جميلاً لا يُريني سوى الوجه الآخر المظلم العابس.
استيقظ في ظهيرة يوم الجمعة لكي يؤدي (التقليد الاجتماعي) الصلاة كما جرت العادة كل أسبوع… فيبدأ بالصراخ على الأولاد.. الصلاة يا ولد قم للصلاة يا بني… وبعد يوم الجمعة تتوقف هذه الطقوس ! ويبدأ بأسبوع آخر جديد يقضي معظمه في العمل… وحين يعود يغتال العلاقات الأسرية بالتلفاز… والجرائد… والأسهم… والمكسرات والطلبات التي لا تنتهي، ثم قضاء الوقت المتبقي خارج المنزل.
عادت الهمسات والتلميحات تقول إنه متزوج ( زواج مسيار)، ولكن لم أتأكد بعد، لأنه لا يوجد أي سبب يجعله ينفر من المنزل إلى أخرى. كنت واثقة من نفسي ومن جاذبيتي وبخاصة أنه لا يوجد بي عيب يجعله ينفر أو يبتعد، كانت والدته حين تراه يتجاهلني تقول لي: «أنت تدلليه كثيراً… والرجل إذا شبع وأخذ أكثر من حجمه أو مما يستحق، يبدأ بالبحث عن الصعب والممنوع» ! أحب تلك الخالة وأحترمها جداً لصراحتها !
أخذت يوماً هاتفه الشخصي من يد ولدي الصغير, الذي كان يعبث به لكي أرفعه بعيداً عنه كما جرت العادة… ولكن شاءت الأقدار أن أرى صورة غريبة أنهت كل تساؤلاتي وحيرتي؟!
كان زوجي يربط وشاحاً تتدلى منه قطعاً دائرية معدنية تلمع على خصره, واضعاً يده اليمنى على رأسه طرباً , واليد الأخرى فوق خصره الأيسر , الذي كان مائلاً للخلف في حركة لم أري أحداً يفعلها سوى نجوى فؤاد.!
شعرتُ بقشعريرة وخوف شديدين ,وأحسستُ أن هذه هي فرصتي لأتركه… فقدت الإحساس للحظة… ثم وجدت نفسي أتصفح بقية الصور في هاتفه بكل برود, بعد أن حصلت أخيراً على الدليل الذي كنت أشعر به.
كانت الصورة الأولي أنظف ما رأيت… أما البقية فكانت في غاية الاشمئزاز، حمدت ربي أن طفلي الذي لم يتجاوز العامين من عمره, لن يفهم ما رآه… ما قهرني ولفت انتباهي أنه كان يبتسم في جميع تلك الصور, الابتسامة التي تمنيت أن يبتسمها لي ولم أرها سوى في فترة خطوبتنا.. يبتسم بكل سعادة وبكل أناقة!
لم تكن هذه هي أحلامي ولا طموحاتي… ولم يكن ذلك الرجل «الراقد» على الأريكة فارس أحلامي, الذي تمنيته وصورته في مُخيلتي من زمن الرومانسية الجميل. منظر كرشه الذي يطل عليً يومياً من خلال الزى الرسمي الذي يغُم القلب (الفانيلة والسروال)، جعلتني أدفن ما تمنيت من أحلام جميلة كنت أختزنها لنفسي, لكي أشارك بها رجل أحلامي الذي أتزوجه… ومع كل عيوبه تحملت لإنجاح حياتنا معاً، ولكن منظره الأنيق المبتسم وهو راكع على ركبتيه يُقبل قدم إحداهن أجبرني على إنهاء حياتي معه للأبد… معلنة بذلك نهاية زمن السندريللا .
الوطن:15-9-2015