رن هاتف المكتب فتناولت السماعة وأدرت ظهري للمدخل لثوانٍ، وحين انتهيت وجدته أمامي ينتظر! سألته هل أستطيع مساعدتك، قال: «هل لي أن أترك هذه الرسالة لكِ؟» مددت يدي لأخذها فأشاح بوجهه، ليخفي دموعاً ملأت عينيه، فأخذت الرسالة دون أن أنظر إليه ووضعتها على المكتب دون أن افتحها لكي يذهب قائلة «سأطلع عليها بعد أن أنهي بعض الأعمال هنا»، وبالفعل ذهب ثم عاد بعد دقيقة ليقول شكراً، انتظرت لحظات حتى تأكدت من عدم عودته مجدداً، ثم أخذت الرسالة المهترئة التي كان من الواضح بأنها قضت وقتاً طويلاً بين يديه، فتحتها وقرأت: «استيقظت في صباح أحد الأيام ووجدتها تنظر إليّ مبتسمة وعندما اتضحت الصورة في عيني كانت تقول لي: «استيقظ عزيزي لقد اقترب موعد ذهابك إلى العمل، وعلى الفور وكعادتي وقع نظري على حواجبها التي كانت تزيد من اتساع وجمال عينيها الجميلتين… وما إن ابتسمت لها حتى طبعت قبلة على جبيني، ثم اتجهت إلى خزانة الملابس وأخرجت لي ملابس متناسقة كما اعتادت كل يوم، البنطلون، القميص، الحزام، الجوارب وحتى لون الحذاء، لم أعرف قيمة هذا الشيء إلا بعد أن فارقتني، لقد توفيت زوجتي وفي اليوم الأول لعودتي إلى العمل بعد فترة العزاء الطويلة، وقفت أمام خزانة الملابس كالأحمق لا أدري كيف أنسق بنطلونا مع أي قميص! ولا أدري كيف كانت تفعل ذلك بكل سهولة؟ كانت تقول لي في كل مرة أسألها «بأنها تفعل ذلك بحب ليزداد مظهري جمالاً» لأول مرة في حياتي منذُ خُلقت تقول لي امرأة أنت وسيم غير والدتي، هل تعرفين معنى أن يشعر الرجل بأنه وسيم في نظر المرأة التي تحبه؟ لم أستطع النوم منذ أن رحلت حتى الآن وقد مر على وفاتها سنة وخمسة أشهر، لقد قضيت شهوراً أتوارى عن الناس بسبب ذلك الدمع الذي رفض أن يجف من عيني ونحن معشر الرجال نشأنا وتربينا على أن لا نبكي وكأنه لا يحق لنا أن نتألم. والآن أعترف لك سيدتي بأنني لم أبكِ في حياتي كما بكيت لفراقها، في لحظات تمنيت أن أموت لكي أكون بقربها والآن أحاول أن أسيطر على شعوري بالمسكنات والمهدئات.
ما يعذب ضميري كل ليلة ويحول بيني وبين الاستسلام للحبوب المنومة تقصيري في حقها الذي اكتشفت حجمه في سطور مكتوبة في قصاصات من الورق وجدتها في درج المطبخ ذات يوم وأنا أبحث عن مفاتيح سيارتي التي أصبحت أفقدها كثيراً، كانت تكتب لنفسها كلاماً جميلاً عن لساني الذي لم يستطع على ما يبدو أن يرضيها بكلمة وهي على قيد الحياة، كرهتُ نفسي على كل تلك الأيام التي عدت فيها إلى المنزل عابساً هارباً من مشكلاتي وهمومي، بالخروج مرة ثانية لأنني لا أطيق نفسي ولا أكون في حالة تسمح لي بأن أتحمل أي بشر، كانت تطمئن عليّ في مكالمات متقطعة خلال اليوم لكي تُذكرني بوجبة الإفطار أو الغداء.. تتولى التفاصيل المملة التي لا أطيق الخوض فيها، حضرت لي ولأصدقائي ولائم في جميع المناسبات دون أن أسمع عبارة تذمر أو رفض، كانت تترك لي رسائل حب في كل مكان على الثلاجة، في درج المكتب، على مرآة الحمام، كنت لا أعير ذلك أي اهتمام، وجدت يوماً شهادة داخل خزانة الملابس كتب عليها اسمي وعبارة «أفضل زوج في العالم» وذيلتها بقبلة بأحمر الشفاه لم أعِر ذلك أي اهتمام بل لم أقل لها أي شيء ولا حتى كلمة شكر! ابتسمت ابتسامة عابرة في منتهى البرود، والآن كلما رأيت تلك الورقة زاد الغضب داخل نفسي ولا أدريِ كيف أُعوضها!
كانت كالحلم الذي سرعان ما رحل عن الدنيا وانطفأت بعده كل الشموع والأنوار… تركتني حبيس الظلام… لا أشعر سوى بوحشة شديدة… على الرغم من كبر حجم أسرتي الذين التفوا حولي أثناء العزاء، لم أشعر يوماً بالوحدة كما شعرت بها أثناء وجودهم، اكتشفت بأنها هي التي كانت تشعرني بالسعادة والاستقرار، كان هناك مكان أذهب إليه آخر النهار لأجدها تنتظرني… كانت تنتظرني كثيراً… وكنت أتركها بمفردها كثيراً… كثيراً… كنت أعرف بأنها تحبني وأنها ستنتظرني وليس لها سوى ذلك… ولم أتوقع أن أكتشف كل ذلك بعد رحيلها، أعيش الآن أسوأ أيام حياتي لأنني أدركت بأنني كنت أحبها بل أعشقها من أعماق قلبي ولكنني اعتدت على ألا أعبر لا أتكلم، فقط أجيد الأخذ دون عطاء، فلم يكن أمامي سوى الابتعاد عن الناس، فهل أجد لديكِ وسيلة تساعدني أن أتخطى هذا العذاب؟ أرجوكِ ساعديني ماذا أفعل لكي يتوقف هذا الغضب بداخلي؟
لم أستطع أن أجامله أو أكذب على نفسي وأواسيه… لم أشعر بالشفقة عليه، بل شعرت بالغضب منه، أخذت القلم وكتبت في نهاية الرسالة… فات الأوان!
من كتابي «قفص العصافير».
تاريخ النشر : 21-05-2014
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2014/05/21/1146119