وقف أمام مكتبه، ينظر لكل زاوية فيه، بعد أن جمع بعض الأوراق والأغراض الشخصية في صندوق، ليُخلي المكتب لشخص آخر عُين في منصبه.
لم يكن المكتب بتلك الصورة الجاذبة، التي تُغري المرء على الوقوف أمامه طويلاً للتأمل. بل كان مكتبا كئيبا، تتوسط سقفه إضاءة “نيون”، تضيء كل زاوية فيه كضوء منتصف النهار، في شدة لا تخفت طوال ساعات العمل، بل يحتاج المرء من قوتها لحماية عينية بنظارة شمسية، لتفادي ذلك الوهج المستمر، الذي يشعرك بإن الوقت ثابت، فلا تستطيع أن تدرك من شدته، في أي ساعة من النهار أصبحت.
وقف ساهماً لمدة، وحين إكتفى إلتفت نحوي، فابتسمت أسأله عن أحوال أولاده، في محاولة للتخفيف من وطأة الموقف، فجلس على المقعد أمامي، وأسند ظهره قائلاً: “ كيف أصبح العمر سببا للتندر والإقصاء هذه الأيام “ !
أخذ نفسا عميقاً، وأكمل: “ لست حزينا على ترك المنصب لموظف آخر. ما أثار حفيظتي الطريقة غير المهنية، التي بررت فيها الإدارة الأمر. فبدلا من أن يضع الرئيس المباشر أسبابا مهنية مهذبة، نقل الأمر بنبرة يملأها اللوم، لأنني أخطأت حين كبرت في العمر! وأخذ يُذكرني، بإن الذي لا يتيح مجال لمن هو أصغر منه، يعد شخصا أنانيا وكلام من هذا القبيل. وحين ذكّرته بانني في بداية الخمسين فقط، قال هذا يعني بأنك دخلت مرحلة التقاعد المبكر، الذي علينا أن نستعد له، بوضع بدائل لنقل الخبرة والتدريب. تحدث بشكل غير منطقي، أشعرني فيها بالذنب لأنني لم أمت في الوقت المناسب.
ما إن دخلت العقد الخامس، حتى وجدت نفسي أتطوح في عاصفة مدارية، تقصيني عن مهام متقدمة، وفرص تدريب وترقيات في العمل، وتصفعني في محيط الأسرة و الأصدقاء بنفس السؤال “ متى التقاعد” !
فإذا إلتقيت بصديق قديم، أو أحد أفراد الأسرة الذين لا أراهم كثيرا، في أي مناسبة عامة، يتكرر نفس السؤال، “متى التقاعد”، وكأن النهاية الحتمية للإنسان تتوقف عند سن معين.
المؤسف حقاً، حين تخرّج ابنائي وعادوا تباعاً من الخارج، وفي أول نقاش دار بيني وبينهم، كانوا يحاولون إقناعي بأنني أصبحت رجلا مُسنا وقديما، ولا أفهم متطلبات هذا العصر، ولا أدرك بإن الدنيا تغيرت. فقط لأنني اختلفت معهم في بعض القناعات، مثل رفضي لأن أُسخر التقنية لكشف خصوصية الفرد، وعدم تشجيعي للبث اليومي الذي يحدث على وسائل التواصل. المؤسف حقاً بإن الجامعات التي تعلموا فيها، يعمل كثير من منسوبيها وأساتذتها فوق سن الخمسين والستين، دون أن يتنمر عليهم طلابهم او مجتمعهم لانهم تقدموا في العمر، كل هذا هراء. …. “ نهض فجأة، وحمل صندوقه وغادر.
كيف نُبدل المفهوم الرجعي اللاإنساني، الذي يظلم المرء، حين يتقدم به العمر ونعزز بإن كل مرحلة عمرية، لها مزايا وفوائد. وكثير من القطاعات، وأماكن العمل في نفس الوقت تمارس تمييزاً بغيضاً على أساس العمر، يبدأ مع نهاية العقد الثاني أو بداية العقد الثالث من العمر. دون تقبّل لدورة حياة الانسان، واحترام خبراته وقدرته على التماهي مع مراحلها.
لا يملك الانسان أن يوقف دوران الارض، ولا عقارب الساعة، ولا تجميد عمره عند سن معين. فليس من حق أي فرد او جهة، أن تتعامل معه، على أساس أنه منتج وله تاريخ صلاحية ينبغي أن تنتهي حياته عند وصوله لعمر معين.
بعد مغادرته بقليل، دخل موظف لم أره منذ مدة طويلة، لينهي أمراً من المكتب المجاور، بعد أن ألقى التحية، سألني : “ ها .. أم سعود متى التقاعد” !!
اليمامة-29/10/2020