أرسلت لي قائلة: أنا أم لثلاثة أطفال وأعمل ثماني ساعات في اليوم، أكبر أبنائي في الصف الثاني الثانوي، وأصغرهم في أول متوسط، ولو رأيت معلمتي التي كانت تضربني حين كنت أبلغ من العمر سبع سنوات لن أتردد في أن أفقأ عينها بكف كما كانت تضربني على الفاضي والمليان، والحمد لله أن هذه الفترة لم تؤثر علي بشكل سلبي فلم أضرب أولادي أو أنتقم منهم كردة فعل. هذا الذي جعلني أتكبد عناء إدخال أولادي لمدارس خاصة وأتحمل تكاليف إضافية مشهورة بها المدارس الأهلية لكيلا يتعرض أبنائي ليد أحد المعلمين بصفعة أو بإهانة. وكل يوم أسألهم هل أصابكم مكروه؟، هل مد أحد المدرسين يده عليكم؟. ويأتي يوم آخر أسأل فيه نفس السؤال. ولكن الحمد لله كان قرار المدارس الخاصة قرارا صائبا، فلم يمد أي فرد من المدرسين يده على أبنائي إلى كتابة هذه الكلمات وهذا بحد ذاته إنجاز يشير إلى أن المكان الذي يدرسون به كان مكانا مناسبا.
التعليم رسالة نتذكر صاحبها حين نكبر فإن كانت أفعاله طيبة تذكرناه بالحسنى وإن كانت يده طرشاء فبالتأكيد سنحمل له كرها وضغينة لأنه نقش على أحجار زرعت في قلوبنا منذ الصغر معنى الضرب والعنف. والذي يطبع في ذاكرة الطفل من الصغر هو الذي يحمله معه في مراحل حياته كتراث عن تلك المرحلة ومخزون يؤثر به على أبنائه ومن يحتك به. قال أحد المدرسين معاتبا إنه من الأفضل أن ينسى الطالب إذا كبر ويتذكر أن ذلك المعلم هو الذي علمه وساعده وأخذ يسرد الإيجابيات. ونصح باتباع العفو عند المقدرة – وإذا كان البعض لا يستطيع أن ينسى من شدة القسوة فهل الثمن كان ما تعلَّم؟، لا. المعلمون يعلمون الطلبة لأن هذه وظيفتهم ويأخذون عليها أجراً وليست جميلا يفترض بالطلاب أن يذكروه ولا ينسوه، وينبغي ألا نصدق تلك المقولة البالية (من علمني حرفاً صرت له عبداً). من علمني حرفا يا أستاذ، وليس من أشبعني ضرباً.إذا كنت معلماً طيب القلب تخاف الله مع أطفال الآخرين فتأكد أن الطفل لا ينسى حين يكبر الإساءة ولا المعاملة الطيبة. مازلت أذكر معلمة اللغة الإنجليزية التي كانت الوحيدة التي أحبها من بين معلمات المرحلة المتوسطة لأنها كانت تبتسم حين تسأل وتشجعنا إذا أخطأنا ولم تلق بكلمة سب أو استياء أو أي نوع من الاستخفاف بنا كطالبات صغيرات مثل ما كنا نسمعه من باقي المعلمات.وهذا التراث أصبح شيئا عاما اجتمع عليه العديد من آباء وأمهات هذا الجيل دون نزاع، ثلاثة أرباع البلد كانوا يضربون على أيدي معلميهم في المدرسة.لقد انتشر الأسبوع الماضي عن طريق البلوتوث مقطع لطفل القديح الذي كبله والده بالسلاسل بعد أن ضربه وحرقه وعذبه لمدة يومين واستغل بعض الجيران غياب والده وأطلقوا سراحه بعد أن تم استخدام المنشار لنشر السلاسل الحديدية المربوطة في رقبته كمساجين جوانتانامو. بعد بحث طويل اكتشفت أن الطلاب القدامى الذين تعرضوا إلى الضرب في المدرسة يكبرون حاملين معهم تلك التجربة المؤلمة، فبعضهم يصب ما تعلمه على أبنائه بشكل سلبي مثل ذلك الأب الذي ربط ابنه بالسلاسل، أو بشكل إيجابي مثل تلك الأم التي وضعت أولادها في مدارس خاصة لتحميهم من النظام الذي تعذبت منه في طفولتها. والآن قبل أن نبدأ بمعاقبة طلاب اليوم على الأخطاء التي يرتكبونها لابد لنا أن نحاسب أنفسنا كآباء وأمهات وتربويين ومعلمين.ما الذي دفع ذلك الطالب في المرحلة الثانوية لمحاولة طعن الوكيل، قبل أن تتصل إدارة المدرسة بالشرطة لتلقي القبض على طالب مراهق كان من الأجدر أن يحتوي السيد المدير والمشرف الاجتماعي المشكلة ويحاولا أن يفهما ما الذي استفز الطالب إلى هذه الدرجة، بدلاً من أن تتدخل الشرطة وتسحب الولد للتوقيف وبالتالي لمصلحة الأحداث لتكون نهايته التأديبية ضرباً وجلداً (بهوز مياه بلاستيكي) مثل الذي رأيناه في إصلاحية الحائر، ومن الممكن ألا يتم تصويره ذلك اليوم لأن عملية التفتيش لمصادرة جوالات الكاميرا ستكون دقيقة هذه المرة لكيلا يرى العالم ما الذي يجري من وراء القضبان.وبدلا من أن يوجه الطالب توجيهاً تربوياً سليماً ويحاولون فهم مشكلته أو نفسيته يوجه إلى مكان تعلم العنف والجريمة. إذا كانت إدارة المدرسة لم تستطع السيطرة على مراهق في تلك السن معنى هذا أن المدرسة فشلت في السيطرة على طلابها، وإدارة التربية والتعليم ليس لديها أية آلية لاحتواء مشاكل الشباب المراهقين في المرحلة الثانوية. وإذا كانت الطريقة القديمة في التربية والتوجيه مثل (التهديد والإحراج والتشهير بالطلاب أمام زملائهم) هي الوسيلة المتبعة في أصول التهذيب المدرسي فيسرني أن أقول لصانعيها لقد فشلتم ومن الأجدر أن تجدوا طريقة أخرى تضمن للطالب كرامته.لا بد أن توجد إدارة التعليم طريقة أخرى ليس بها إيذاء نفسي للطالب مع مراعاة أنه يمر بمرحلة المراهقة الحساسة التي لا يجدي فيها العنف أو القوة نفعا. (لماذا لا نبدأ بالطيب أولا؟). فبدلا من أن نربي جيلا جديدا على الثقة بالنفس والاحترام نربيه على سوابق ونصنع منه مجرما على نار هادئة.إذا كان المعلم أو التربوي بصفة عامة يري الطالب بأنه يحترمه ويعامله كابن وكأخ صغير لما تجرأ الطالب على معلمه. ولما تكررت حوادث اعتداء الطلاب على المعلمين. هناك ما يستفز الطلاب، لا دخان دون نار، ولكل فعل ردة فعل أحيانا تكون عنيفة إذا تكرر نوع الاستفزاز.أرسل لي أحد الطلاب قائلا: والدي يعاملني باحترام فلم يطلب مني يوما شيئا قبل أن يقول لو سمحت. لم يجبرني على فعل أي شيء لا أرغب به. بل كان يحرجني بكرمه إذا رفضت له طلبا، لذلك أنا أحبه وأطيعه وأحاول إرضاءه من قلبي لأنه يعاملني كإنسان. وفي المدرسة مرة لم أحل الواجب بشكل صحيح فبدأ المدرس كل مرة بالتوجه إلى مقعدي ليشيك واجباتي. يعني كان يسأل الطلاب ويطلب مني أنا فقط أن أريه الواجبات. هذا التصرف جعلني أكرهه لأن زملائي أصبحوا يلقون عليَّ بكلمات مثل (الأستاذ ما يصدقك)، ففي كل مرة تكون حصته أحمل هما في صدري إلى أن أتى ذلك اليوم الذي أصبحت أفضل فيه التأخير عن حصته خاصة إذا كانت بعد الفسحة لكي أجعله يطردني ولا أضطر للنظر إلى وجهه مغصوبا. فأنا لا أحبه ولا أحب طريقته التي يتعمد فيها إحراجي وجرح مشاعري. والآن هل يستمع المشرف والمدير والمعلم إلى الطالب صاحب المشكلة ويوجهونه بطريقة سليمة. أم يكتفون بكتابة اسمه في لائحة المشاغبين لإنقاص علاماته وأشياء أخرى؟.نحن السبب في تربية هذا الجيل على العنف بداية من المنزل ونهاية بالمدرسة وليس الطالب.في الوقت الذي يسعى فيه المجتمع لتجريم البلوتوث نظرا لكثرة استخدامه بصورة سيئة – نجد أن الاستخدام الجيد هو الذي كشف لنا التجاوزات التي صدرت من بعض الأفراد سواء كانوا آباء أو مدرسين وكانت الوسيلة لنا لنكتشف كيف ضاع أبناؤنا وكيف تعلم أبناؤنا العنف والسب والتهديد، ومن أين اكتسبوا المهارات الإجرامية؟. ولأنهم ما زالوا صغارا ونحن الكبار فهم دائما على خطأ ونحن دائما على صواب إلى أن يتم إيجاد قانون لحمايتهم يتعلمونه في المدرسة (قانون حماية الأحداث وصغار السن) الذي من المفترض أن يحفظ لهم حقوقهم الدستورية التي لا يستطيع فيها الأب مثل أب طفل القديح (المسلسل بالحديد) أو المعلم تجاوزها لأنها قانون سيكون منصوصاً عليه في الأحوال المدنية فمتي سيظهر؟. الله أعلم!.تلك الحوادث باتت اليوم ظاهرة لم تستطع المدرسة السيطرة عليها ومن كثرتها اختفى نموذج الأستاذ الطيب الرائع أمثال الأستاذ (رائد السلولي) الذي رفع شعار (دراسة ووناسة) في إحدى المدارس الابتدائية في الدمام. وجعل من حصته مشوقة ومليئة بالهدايا وجعل من فصله واحة للطلاب لا تخلو من وجود أرجوحة وخيمة وكرات ملونة تشد انتباه الطالب في تلك المرحلة المتقدمة من العمر لتجعله يعشق أستاذه ويحب مدرسته ودراسته. تعامل مع أبناء فصله الابتدائي على قدر مستواهم وحببهم بفكرة التعليم باللعب والتشجيع بالهدايا. فهل سمعنا عن مدرسين يعطون مثله من جيوبهم ليسعدوا طلابهم؟ لم نسمع سوى بطلبات المدرسين المرهقة كل أسبوع وآخر. هذا الأستاذ نموذج جميل ورائع من المفترض أن يشكر ويقدر من قبل وزارة التعليم لأنه خرج عن المألوف بما هو محبب لنفوس طلابنا الصغار.المدرسة ينبغي أن تكون مكانا محببا وليس مكانا للتعنيف والتفتيش الذاتي كما حصل في إحدى مدارس البنات من أجل مصادرة هاتف جوال حيث تعرضت البنات لتفتيش ذاتي بشكل مهين وكأنهن متهمات بحيازة مخدرات أو أسلحه. لماذا لم تستخدم إدارة المدرسة جهاز الكشف عن الجوالات فهو أكرم من تعريتهن وإهدار كرامتهن. وفوق هذا دائما يكون الحق مع الإدارة لأنها ستكون كبيرة أن تعتذر المدرسة للطالبات أو تحاول تطييب خواطرهن على ذلك الموقف الذي انتهى لمصلحة الإدارة.قالت لي إحدى الطالبات بعد أن جعلتني أقطع أغلظ الإيمان ألا أكتب اسمها، بأنهن تعرضن لتفتيش ذات يوم لشك المشرفة بأن إحداهن تملك مشطا في حقيبتها المدرسية. فوقف الفصل حصة كاملة طلبت أثناءها المشرفة من صاحبة المشط الاقتراب بأداة الجريمة (المشط) وإلا ستعرض فتيات صفها لعقوبة خصم درجتين من المادة. مشط يا ناس!. مدرسة بنات.. يعني لازم مشط، وربطة شعر!. هذه ليست مبالغات هذه حقائق ينكرها المخطئ ولا يتمنى أن يقرأها أي معلم نزيه.فنرجو أن تسلك وزارة التعليم نظاما آخر يوقف من صناعة الإجرام تربويا وتراقب عن كثب وتفرض المعاملة الإنسانية بين هيئة التدريس والطلاب والتعامل معهم على أساس أن كل شخص يتخيل بأن الذي أمامه ابنه أو ابنته فلن يكون غليظ القلب بل حنون في عقابه على ضناه.
الوطن: 27-4-2007