قطعت الأحداث، التي تُعرض على وسائل التواصل الطريق امام كثير من البرامج التقليدية، التي تبث على بعض المحطات المحلية والفضائية. بعد ان استحوذت على نسب متابعة عالية. ليس لأنها ذات قيمة او هدف، بل لان أغلبها كان فيه خروج جريء عن نص الأدب والكياسة والذوق العام.
وبدلا من ان تُغير القنوات التلفزيونية من استراتيجياتها، او الطريقة التي تتناول فيها أعمالها، لتستفيد مثلاً من سرعة انتقال الحدث. اختارت ان تستقي المواد التي تعدها، من وحي ما ينشر على وسائل التواصل. فأخذت تستضيف أي فرد يحصد متابعة، او نسبة مشاهدة عالية، لأي مادة ينشرها، او أي تصرف يقوم به، سواء كان تصرفاً أهوجاً او مسيئاً. وكأن أعداد المشاهدة لأي شخص، أصبحت شهادة معتمدة، تؤهل للظهور في عدة برامج على القنوات الرسمية. ما يجعلك تجزم، باننا فعلا نعيش في عصر التفاهة.
الغريب، بإن ما يُسجل في تطبيقات التواصل، لا يستحق نقله على القنوات، التي تساهم بذلك النشر الغير مسؤول، على تسطيح المجتمع واقناعه، بإن التظاهر ونشر خصوصية الافراد، هو ما يحقق النجاح دون مجهود ودون علم ومعرفة.
فبدلا من ان تُبدع الأقسام المسؤولة عن إعداد البرامج, بالإتيان ببرامج غير نمطية ومتجددة, تطرح من خلالها ما على الساحة الاجتماعية، من قضايا او متطلبات، للإيفاء باحتياجات المرحلة القادمة على سبيل المثال, ترهن نفسها لمن يُحدث جلبة على وسائل التواصل.
ولا نستطيع أن نلقي بوزر تعزيز التفاهة كاملة، على عاتق قنوات التلفزيون فحسب، ونحن نعرف بإن بعض الوزارات الحكومية، قادت بنفسها ذلك العبث، حين صدّرت وفضلت خريجي الفنكوش، على أصحاب المعرفة، للتعريف ببرامج ومبادرات هشة لتلك الوزارات.
المعرفة أداة أساسية، ومورداً هاماً لجميع المؤسسات و الشركات،، ينبغي ان تتوفر في كل شخص، يظهر على أي قناة رسمية، قبل ان يدلي بدلوه امام الملايين.
فمن يعد البرامج، او يدير القنوات التي لها اتصال مع الجماهير، يحتاج ان يكون لديه معرفة حسية تمكنه من الاستيعاب وتحليل الاحداث. ومعرفة فلسفية تجعله يبحث وراء الأسباب التي أدت لكل حدث. ومعرفة تجريبية تعتمد على عرض التجارب الناجحة للآخرين، وليس التجارب المخجلة، التي بها مخالفات واضحة للقوانين والمبادئ الأخلاقية.
في زمن التفاهة، بات من المسموح ان يفقد المرء عقله بالطريقة التي يريد، وعلى التطبيق الذي يفضل، لأنها حريته ومساحته الشخصية.
ولكن ليس من المسموح أبداً، ان تفقد القنوات الرسمية وحتى الفضائية المهنية، لتصنع مادة من وحي “ الفنكوش”، وتنقل التفاهة التي كانت تحدث في مساحة الفرد الشخصية، الى مساحة أكبر في المجتمع.
حين تكون مدير قناة، او رئيس قسم لاعداد البرامج، ليس مسموح لك ان تفقد عقلك، وتقبل بفكرة استضافة طفلة او قُصّر او بذيء، لمجرد حصد مقطع لهوهم و عبثهم على نسبة مشاهدة عالية. فاستنساخ كل ما يُطرح على وسائل التواصل من حماقة، لا يُضعف من مهنية القناة فحسب، بل يشكك في كفاءة منسوبيها ومسؤوليها.
إن لقدرة الانسان المعرفية، على فهم الحقائق وقراءة المعطيات وتحليل الاحداث حوله، أهمية كبيرة من شأنها، ان تخلق قيمة وفارق للمحيط والبيئة الذي يتواجد به. فمن لديه قاعدة معرفية عريضة، سيسقي من حوله أفكاراً وفوائد، قد تصنع فرقا كبيرا في حياة الانسان ومستقبله، ومن لا يملك سوى الإبداع في تنويع التفاهة، لن يُقدم سوى مزيدا من خريجي “الفنكوش”.
القوة المعرفية وتخصص” الفنكوش”- اليمامة