في منتصف نهار أحد الأيام الممطرة في فترة الثمانينيات، كان على جميع طالبات مدرستي ركوب الحافلة إلزامياً ذلك اليوم بسبب الأمطار وظروف الطقس، وكنت واحدة ضمن مجموعة كبيرة تقع منازلهن في نهاية الشارع المقابل للمدرسة، حيث اعتدنا في الأيام الأخرى على المشي جماعات إلى نهاية الطريق والتفرق إلى منازلنا لقربها من بعض، حين وصلت الحافلة إلى شارع المنزل وضعت قدمي على الرصيف ببطء لتغمره المياه إلى أسفل الركبة، وكان من المفترض أن أمشي بضع خطوات للإشارة الضوئية حيث خطوط المشاة لكي أعبر للجهة الأخرى، لم تكن سوى خطوة واحدة تلك التي قطعتها ولم أكمل الثانية حتى ابتلعني شق عميق داخل الرصيف لن أنساه طوال عمري، فقدت الإدراك في اللحظة التي غُمرت فيها بمياه شديدة البرودة، وحين استوعبت بدأت بركل المياه التي كانت تسحبني للأسفل بيدي وقدمي في محاولة للنجاة، حتى أوقفني أنبوب غُرس في ركبتي وحشرها، تلمستهُ بقدمي ثم وضعتها فوقه ودفعت نفسي بكل ما أُعطيت من قوة حتى وصلت إلى الفوهة، أخرجت رأسي وانتزعت شهيق الحياة لأدخل بعدها في بكاء هستيري، نهضت مستندة على جدار المجمع السكني المحاذي للرصيف عاجزة عن الحركة بعد أن تجمدت أطرافي أستنجد بمن في الشارع ببكاءٍ مسموع، فلم أكن وقتها سوى طفلة في الابتدائي، والمنظر الذي طُبع في ذاكرتي وجوه الناس وهي تنظر وتؤشر باتجاهي من داخل السيارات والحافلات دون أن يتحرك أي منهم، كان منظر الدماء وهي تنساب من ركبتي كفيلا بزيادة حالة الذعر التي انتابتني، كنت أريد فقط أن أذهب إلى البيت بأي وسيلة، تحسست طريقي بحذر إلى أن هبطت من الرصيف لأقطع الطريق إلى الجهة المحاذية التي تدخلني مباشرة لطريق المنزل، أثناء عبوري فتح سائق فلبيني في حافلة (جري هاوند) النافذة ليحذرني مؤشرا إلى نقطة معينة في وسط الشارع بأن بها فوهة تصريف أخرى مفتوحة، فلم أكترث لتحذيره واستمريت بالبكاء، وربما كان همي الطفولي وقتها بأنني كنت متأكدة بأن كل من في الحافلة شاهدوني حين سقطت ومن المؤكد بأنهم كانوا يسخرون مني، لم تكن تلك أصعب حادثة مرت بي ولكن تركت انطباعا لا يُنسى عن حجم سلبية الناس، ومن ذلك الوقت إلى هذا الوقت ومأساة القبور المفتوحة مستمرة، وكأنه لابد أن تسقط عدة ضحايا قبل أن يقرر إغلاقها، وليتنبه المجتمع إلى حجم الإهمال الذي نعيشه، فحين كنا نتابع بحزن شديد فجيعة طفلة البئر التي عجزت فيها الجهات المسؤولة عن إنقاذ وحماية الأرواح من إنقاذها أو حتى انتشال جثتها كاملة دون تبريرات، كانت السيول تحتجز معلمات في مكان آخر حيث بدأت معاناتهن بعد أن غادرن إلى مدارسهن التي تقع 100 كلم شمال الليث في حافلة خاصة يسلكن طريقهن اليومي (مكة- البيضاء- يلملم)، وكان عليهن أن يقطعن أودية معروفة كمجرى للسيول، فبعد أن اجتزن السيل الأول أوقفهن السيل الثاني في (وادي إدام) لتُحتجز المعلمات على حافته لمدة أربع ساعات غابت فيها خدمات شبكة الاتصال، وبعد أن هدأ السيل اجتزنه ليصطدمن بسيل أكبر في الوادي الثالث (وادي البيضاء) الذي كان على حافته جمع غفير من الناس محتجزين منذ ساعات طويلة، ليتوقفوا مع معلمات أخريات يستغثن بطائرات الدفاع المدني والأمن العام التي تجاهلتهن، والسؤال إذا كانت الجهات المسؤولة تعي بأن ذلك الطريق يقف الموت على حافتيه متربصا، لماذا لم يلغ العبور منه ولم تفتح طرق بديلة؟ الأمر المخجل أن يظهر الدفاع المدني يمجد واجباته في الإعلام بعد أي مأساة لا ينجح فيها، مرة متجاهلا حادثة المعلمات حين تجاهلهن وكان الله معهن وأنجاهن، وأخرى متجاهلا حقيقة إمكانياته الضعيفة التي تابعناها حين اضطر إلى استعارة جهاز حفر من شركة بترول للقيام بمهمته في انتشال طفلة، ولم تنته المآسي بل تركتنا فجيعة غرق ست فتيات في مستنقع العرمة جنوب الرماح بصدمة وخيبة أمل أكبر في الجهات المسؤولة عن إنقاذ الأرواح، حين لم تتمكن من إنقاذ حتى نفس واحدة، وإذا كان مدني الرياض بالفعل أطلق تحذيرات عن خطورة ذلك المستنقع، لماذا لم نر أثرا لتلك التحذيرات بتطويق المكان على الأقل بشبك معدني أو شريط بلاستيكي، أو بزرع أعلام على مدخله ليحذر الناس، حين تتجاهل جهات الإنقاذ ضعف إمكانياتها وخبرتها وتلجأ نهاية كل مصيبة إلى إلقاء اللوم على الناس، فهذا حتماً سيقودنا إلى مصائب أعظم.
القبور المفتوحة لم تنشق عنها الأرض فجأة، بل في الأصل هي تداعيات لجريمة الإهمال والغش في العمل والتنصل من المسؤولية التي بدأت منذ عشرات السنين، وتُركت تتراكم فوق بعضها ومع سقوط أول ضحية أتت نتائجها تباعاً، كالثمار السامة يُرغم بعضنا على التكيف والعيش بمرارتها، وبعضنا الآخر يقتله سُمها في النهاية.
تاريخ النشر : 22-01-2014
المصدر :https://www.alsharq.net.sa/2014/01/22/1054785