مرّت السعودية بفترات متتالية من الشدائد والمحن، بدأت قبل حادثة احتلال الحرم عام 1979 واستمرت لسنوات بعدها، فتجاوزت مرحلة حرب الخليج عام 1991، والتفجيرات الإرهابية التي طالت مناطق عدة منها الرياض عام 1995 والخبر عام 1996، وتفجيرات أنابيب تكرير مدينة ابقيق 2006، كما أنها صمدت أمام محاولات شق الصف بتأجيج الطائفية وتفجير المساجد عام 2015، وكذلك زعزعة الثقة في قادة المملكة الذي أصبح يتخذ أنماطا مختلفة كل فترة إلى هذه اللحظة.
كل ذلك تجاوزته المملكة بفضل من الله، فمهما كان حجم الاختلاف بين الناس ما إن يشعر أفراد الشعب بأن شيئا سيمس أمن أو كرامة وطنه يتناسى الاختلاف ويعيد ترتيب صفوفه، ليشكل سياجا متينا لأجل حماية هذا الوطن، ونحن في المملكة نشعر بالمسؤولية المطلقة تجاه سلامة واستقرار بلدنا ونعتبرها واجبا دينيا ووطنيا واجتماعيا.
قبل الإعلان عن «الرؤية» بسنة، نشر موقع «المصالح الأميركية» تقريرا تفوح منه رائحة القلق بعنوان: الدول السبع العظمى التي من شأنها أن تهز العالم وهي: أمريكا، ألمانيا، الصين، اليابان، روسيا، الهند، والمملكة العربية السعودية، بعد أن اعتاد العالم على الاعتراف بالدول الخمس الأولى فقط. وصُنف ترتيب الدول بناءً على قدرتها المنظمة في إعادة تشكيل بيئاتها المحلية من جهة وتأثيرها على العالم الخارجي من جهة أخرى، إضافة لامتلاكها القدرة الكافية للتأثير على معظم السياسة الدولية، فتم سرد التفاصيل التي تميز قوة كل دولة، فعلى سبيل المثال جاء مقياس قوة روسيا معتمداً على حجم سلاحها النووي الفتاك القادر على تدمير جميع أشكال الحياة على وجه الأرض، فصُنفت قوة روسيا في التدمير الذي لا تستطيع كثير من الدول مجاراته، وجاء مقياس قوة الهند معتمداً على مستوى تطور التعليم والجامعات والمجال التقني…وتمت الإشارة بقلق إلى الموقف السياسي الصارم للسعودية حين تجاهلت ما تفرضه السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، التي اعتادت أغلب الدول على الخضوع لها، مؤكدةً ألا قوى خارجية تستطيع أن تُملي على المملكة شؤونها الخاصة، لاسيما بعد أن تمكنت من السيطرة على فتن عدة ونجحت بتطويق العديد من الخلافات، مثل الخلافات التي ضربت قلب المنطقة العربية (مصر) وكادت تمضي بها إلى مصير مجهول.
كما أشار التقرير إلى قدرة المملكة على تغيير السياسة الدولية، حين قامت بهندسة عملية انهيار أسعار النفط بذكاء، لتكشف عن حقيقة قوتها الاستراتيجية ومهاراتها المتميزة التي تمكنها من انجاز أشياء كثيرة متى ما رغبت في ذلك، وأضاف التقرير أن هناك بلدانا ذات كثافة سكانية وقوات عسكرية أقوى وأسس تكنولوجية متطورة أكثر بكثير من إمكانات السعودية، إلا أنها تفتقر للقدرة التي تمتلكها هذه الدولة الصحراوية التي تستطيع متى ما رغبت أن تحدث ثورة في التوازن «الجيوسياسي» وإعادة الاقتصاد على المستوى الإقليمي والعالمي، حيث حقق السعوديون انجازات في المنطقة أكثر من الدول التي تملك قوى عظمى، وكانت هناك إشارة مباشرة إلى أن السعودية قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الدعم الأميركي، إذ يكفي بأنها في سنة صنعت تحالفا موحداً امتد من دول الخليج إلى آسيا وأفريقيا، وفي السنة التي تلتها فاجأت العالم بفرض قوتها الاقتصادية وثقلها السياسي لإجبار نمور أوبك على تقبل الانهيار في أسعار النفط العالمية، لذلك كانت تستحق وبكل جدارة مكاناً متميزاً على الطاولة بين أكبر القوى في العالم. وأخيراً، جاء تصريح ولي العهد بكل وضوح «لن ندفع من أجل أمننا» ليؤكد أن المملكة لا تستجيب لتلك الترهات.
ما نُشر من حقائق في التقرير الأميركي لم يتوصلوا إليها إلا بعد أن أخضعتهم المواقف السياسية الثابتة التي اتخذتها المملكة على «تغيير» الفكرة النمطية السائدة عن تلك الدولة التي اعتادوا على الإشارة إليها بعنجهية بـ«الدولة الصحراوية»، من دون أن يتعلموا كيف روض أبناء تلك البلدة الصحراوية الظروف المناخية القاسية ليصبح قلب الصحراء وطنا يرتمون في أحضانه حباً وولاءً.
أرفع الخفاق أخضر .. ستظل بلادنا عزيزة أبية ثابتة في منهجها محافظة على سيادتها وعصية على المارقين مهما تكالبت عليها الضغوط.
