* لا أدري كيف هان على الموظفين بكاء الطفلين دون أن تتحرك مشاعرهما، وإن اعتقد الاثنان أنهما كانا يؤديان ما يملى عليهما من واجب، فواجبهما الإنساني لا يقتضي منهما أن يتحولا إلى آلتين مجردتين من الأحاسيس الإنسانية!
كان عليها الانتظار أكثر من 10 دقائق بسبب الطابور الطويل أمامها، وحين وصلت إلي المحاسبة فوجئت بالموظفة تضع أمامها لوحة (مغلق للصلاة)، فطلبت منها السيدة أن تحاسبها سريعاً علي ما تحمله في يدها، خاصة ومشترياتها كانت قليلة ولن تأخذ سوى ثوان، قارورتين من الحليب ومغلف بسكويت فقط، فيما تعالى خلفها بكاء طفلين في عربة مخصصة للتوائم كانا يبكيان بطريقة تجعل القلوب الرحيمة تحزن علي طريقة بكائهما، أمسك أحدهما بيده رضاعة حليب فارغة يضربها بقوة على مقدمة العربة، والآخر يضع يده في فمه ويعض عليها، ونات من الألم تجعلك في حيرة بين ونة الجوع و«التسنين»، اعتذرت المحاسبة أمام إلحاح السيدة التي أصرت أن الأذان لم يرفع بعد بل أمامه على الأقل 5 دقائق، ولكن لم تتجاوب المحاسبة بل زجرتها بطريقة فظة «صلاة.. صلاة» وأغلقت الصندوق وغادرت، فركضت الأم وهي تجر عربة الأطفال أمامها إلى محاسب آخر كان يعبئ أغراض زبون في أكياس ويضعها في عربة تسوقه في الجهة المقابلة، رجته أن يحاسبها لكي تُصبر أطفالها، ودون أن ينظر تجاهها أشاح بيده لها أن تغادر قائلاً «صلاة يا خالة صلاة.. هذا آخر زبون». فتدخل الرجل الذي كان يحاسب وطلب من الموظف أن يتقي الله في الأطفال ويأخذ النقود من المرأة طالما لم يرُفع الأذان بعد، فلم يكترث، وغادر دون أن ينطق بكلمة متجاهلاً بكاء الأطفال وتوسلات الأم. اعتذر الرجل لأنه لم يستطع أن يغير شيئا وهو في الأساس غير مسؤول عن أخلاق المحاسبين، ومد يده إلى أحد الأكياس في عربة تسوقه، والتقط منها بعض الأغراض وفتح علبة ونزل على ركبتيه وناول كل طفل قطعة من البسكويت، ثم فتح رضاعة الأول وملأها بالحليب وفعل بالمثل مع الثاني، قبل رأسيهما وحين هم بالمغادرة استوقفته الأم على حياء ومدت يدها له ببعض النقود قائلة «الله يسخر لأولادك من عباده الطيبين»، فالتفت إليها قائلاً «هؤلاء في سن أطفالي ويكفي دعاءك أيتها الأم الكريمة» ثم جر عربته بهدوء وغادر.
في جميع أنحاء العالم المتحضر يأتي الطفل دائما على قائمة الأولويات في جميع المحلات والأماكن العامة، سواء كانت محلات تموينية، مستشفيات أو مطاعم وحتى المطارات، ولا أدري كيف هان على الموظفين بكاء الطفلين دون أن تتحرك مشاعرهما، وإن اعتقد الاثنان أنهما كانا يؤديان ما يملى عليهما من واجب، فواجبهما الإنساني لا يقتضي منهما أن يتحولا إلى آلتين مجردتين من الأحاسيس الإنسانية!
الأخلاق عنوان الإنسان وهويته غير المعلن عنها، وهي الأدوات التي يستخدمها في تعامله مع الآخرين، حثت عليها جميع الأديان السماوية، ونادى بها العُقلاء، وربطها الخبراء والمصلحون الاجتماعيون بالوالدين، فحين تتعامل مع ابنك بقسوة وتجاهل وعدم احترام، سينقل إلى المجتمع ما تعلمه منك، ولأن الوحي هو المصدر الأساسي للأخلاق الإسلامية، ظلت كقيم ثابتة ومُثل عُليا تصلُح لكل إنسان في كل زمان ومكان، فتجد كثيرا من الشعوب غير المسلمة اتخذتها كمنهج في تعاملها لترفع من حضارتها بالتطوير المستمر للتعامل الإنساني بين مواطنيها.
حين أفاق المجتمع على مشهد أبنائه وهم يهشمون مدارسهم ويمزقون كتبهم، صب غضبه على المدرسة والمناهج والتعليم فقط، متجاهلا أن المسؤولية الأولى والأساسية تقع على عاتق الوالدين، وبعده تأتي المدرسة والتعليم وأشياء أخرى.
إذ إن أكثر طرق التربية الملاحظة في المجتمع تقوم على أساس غرس مشاعر الغطرسة والتعجرف في نفوس الذكور منذ الصغر، وتفضيلهم في المنزل الواحد على أخواتهم الإناث، لتستمر بعض المناهج القديمة بتغذية هذا الخلل الذي أساسه الإساءة، لينتهي الأمر بظهور إنسان مُعاق فكرياً، يجعلنا نتساءل فيما بعد، ما الذي أوصله إلى هذا القُبح!
أصبح كثير من الناس لا يهمهم إن أديت صلواتك في المسجد أو في البيت أو كم آية تحفظ، لأن رب العالمين هو من يحاسبك، ولا يهم إن أطلت لحيتك أو حلقتها، لأنها لا تعد مقياسا لحجم التدين والورع، ولا تهم أيضاً رسائلك الوعظية التي ترسلها للناس على وسائل التواصل الاجتماعي، «دامك» تُرسل عشرات غيرها مليئة بالسباب والشتائم لمن يخالفك الرأي، الناس لا يهمها سوى طريقة تعاملك معهم، فحين تتجادل بقوة في عملك مع الآخرين سواء كانوا زبائن، أو مراجعين أو حتى مرضى في مستشفى بأنه حان وقت الصلاة قبل أن يرفع الأذان وترفض خدمتهم دون حياء، وبعدها بقليل يشاهدك العالم تركض خارج المبنى لتُشعل سيجارة وراء الأخرى، هنا عليك أن تسأل نفسك «هل أنت على خُلق!؟»
تاريخ النشر : 11-06-2014
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2014/06/11/1159221