هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

نبيل.. في زمن الأشرار!

الشرق | 0 تعليقات

تجاهلني كثير من زملائي ووصمني بعضهم بالإلحاد، حين توقفت عن الصلاة خلف أحدهم، لأنني رفضت أن أفعل مثلما يفعلون! رفضت ممارسة الكذب والرياء، رفضت أن أكون هُم.. واخترت أن أكون نفسي

«أغمض عيني في المساء على غصة مزمنة سكنت حلقي، فشل جسدي في ابتلاعها، وعجز النوم أن يبددها، يتملكني في الصباح كثير من الانزعاج، الذي تحول مع الوقت إلى سخط غير مبرر، ساعات النوم بالنسبة لي لم تكن سوى تعذيب نفسي، كثيرا ما يجعلني أعدو وراءه طوال الليل وكلما اقــتربت مــنه يفر مني هارباً مرارا وتكراراً، لأخرج مثل كل صباح إلى عملي بجسدٍ مرهق، وبنفس الغصة العالقة.. تلازمني وتؤلمني.. أسعل طوال الطريق في محاولة لإخراجها فلا أنجح، أبلع ريقي لأبتلعها فأعجز، تقرع صــدري بــشيء من الخوف بمجرد التفكير فيها، وفي لحظات أخرى تشتت انتباهي عن الطــريق الذي تتعارك فيه العربات مثل «جري الوحوش»، فحين أفسح الطريق ذوقياً، أعلق في الزحام لوقت كاف لتأخيري عن العمل، وحين أتمسك بحقي في العبور أجد من يستولي على هذا الحق لمجرد أني سمحت لبعضهم بالمرور، لا أريد أن أغير من سلوكي لمجاراة الآخرين، احتل الشر حولنا كثيرا من الأماكن التي كنا نركن إليها، فمهما حاولنا إدارة رؤوسنا له وإعطاءه ظهورنا نظل نشعر أنه يطاردنا بأخباره، في طريق العمل تصر محطات الإذاعة تُسمعُني نشراتها الإخبارية في آن واحد، لتزيد همي وتذكرني، بأن وتيرة العنف في العالم العربي بالذات في تصاعد مستمر، وبعد أن أصل أجد من يبشرني بعدد الرؤوس التي جزتها التنظيمات الإرهابية، وآخر يقحم هاتفه الذكي أمام عيني دون كــياسة عارضاً المقطع دون أن تبدو عليه أي علامات للتأثر، وكأن الذبح والدماء أصبــحا أمرا اعتياديا، ما يزعجني كيف أصبح الــعالم حولي يأكل ويشرب ويغمض عينيه وينام، وأنا أصاب بالقلق والفزع!؟ تجاهلني كثير من زملائي ووصمني بعضهم بالإلــحاد، حــين توقفت عن الصلاة خلف أحدهم واخترت الصلاة بمفردي، لأنني رفضت أن أفعل مثلما يفعلون! رفضت ممارسة الوشــاية، رفضت ممارسة الكذب والرياء، رفضت ممارسة الغش والتدلــيس، رفــضت أن أكون هُم.. واخترت أن أكون نفسي، ومع ذلك حين أعود إلى المنزل وأفكر بقضاء لحظات استرخاء أمام التلفاز أجد أغلب المحطات تبث نفس مشاهد العنف مرارا وتكرارا، وكأنها تدربنا على تقبل البشاعة والتعايش معها، وإذا جلست يا سيدتي بين أهلي وأصدقائي، يُقاطع لحظات هدوء النفس أحدهم لكي يعلن عن آخر الأنباء البشعة وكأنه يزف خبراً سعيداً، لا أستطيع استيعاب هذه المرحلة من التوحش التي وصل إليها الإنسان في هذا العالم، وما يصيبني بالجزع درجة الصفاقة والبرود التي انتهى إليها كــثير من الــناس حولنا أثناء نقل الأخبار! كتبتُ لكِ هذه الرســالة لأنكم معــشر الكتــاب تهتمون كثيرا بالســياسة والجرائم أكثر من الإنسان، بل كلما فتــحت صحيفة رأيت أغلب المقالات تتحــدث عن الإرهاب والسياسة والاقتصاد، حتى غابت هوية الإنسان وشخصيته.. انقلي للــعالم سيدتي بأنني حــاولت أن أبقى رجلا دون أن أفــقد ملامح آدميتي في زمــن سادت فيه المساحات السوداء في النفوس على البيضاء، فــهل أُعــد بذلك إنسانا مختلا، هل أصبح بذلك إنسانا مريضا فليكن، ولكن لماذا يمررون للكاذب كذبه، ويطلقون على الخداع والغش مرونة.. لماذا يرون الأخلاق مثالية مبالغا بها كأنها وصمة عار، وبكل سهولة يُقلب الإنسان الصادق إلى آثم، وهل الثمن أن يفقد المُخلص في النهاية مستقبله وحياته الاجتماعية ويبقى وحيداً عقابا له!».
كانت تلك الأسطر ما استطعت إيجازه من رسالة لأحد الأنقياء، وأشعر أن مثله كثيرون لا نراهم ولكن نستطيع أن نتخيل حجم الجمال الذي يمكن أن يتركوه في عالمنا، حتى لو لم يكن ظاهراً، ولكنه كاف لندرك أن بيننا أنقياء يمنحوننا سببا مقنعا للتفاؤل.
سيأتي عليك زمن يصعب فيه التعرف على الوجه الطبيعي للإنسان من جودة الأقنعة، وربما تتعرض فيه لصفعاتٍ مباغتة تدفعك إلى التشكيك في تصرفاتك التي تحاصرها بغيمة سوداء من أفكارك إلى أن تفقد الثقة بنفسك، لتصاب بضعف يمنعك من التفريق بمن يريد لك الخير ومن يريد لك الهلاك، فحين تشعر أنك أصبحت وحيداً، وبدأ الآخرون ينظرون لك باستنكار فقط لأنك لم تجارهم في الكذب، وتزييف المشاعر، والرياء والسرقة، فأنت بخير، فلا تكترث بمن يحكم عليك ومن يبقى ومن يرحل من حياتك، أحياناً قد تجبرك الوحدة على مصادقة نفسك ومنحها كثيرا من الوقت، فلا تنس أن ذاتك الإنسانية أصبحت معدنا نادرا في زمن اختلطت فيه المعادن بين «الفالصو» والتقليد، إذا وجدت نفسك وحيدا فجأة فابق معها فلن تجد أفضل منها إلا من رحم ربي، ولا تقلق إذا كنت واحدا من النبلاء الذي اختار أن يعيش بسلام في زمن الأشرار.

تاريخ النشر : 18-02-2015

المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2015/02/18/1298119

صناعة الذكاء
مُدن دون هوية
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©