* كان يأتي كالمغلوب على أمره يقبِّل يدها أمامنا ويصحبها للغداء، لأبقى مع صديقات العمر، نتقاسم غداءنا ونتمازح إلى أن تدمع أعيننا، لأن المسرحية الساخرة التي كنا نحضرها بشكل شبه يومي بدت كأسطورة ولا في الأحلام!!
رفع نظارته بطرف أصبعه و نظر حوله، وحين تأكد ألاَّ نظراتٍ تُتابِعهُ تحرك من مكانه، ثم وقف أمامي لثانية متردداً كمن يريد أن يقول شيئاً، فلم أنظر إليه، لأنني على ثقة لو رفعت رأسي لأعطيته فرصة للتعبير عن ألمه مثل كل مرة، لذا تعمدت دفن رأسي في الكمبيوتر، وتابعت الطباعة بشكل عشوائي ومتواصل، أطلق زفيراً عميقاً وكأنه تنين أنهى معركته للتو، ثم خرج والشرر يقدِح من تحت حذائه، تجاهله جميع من في القسم للتخفيف من وطء الموقف، خاصة وشجارهما هذه المرة كان مسموعاً خمس درجات فوق العادة، حين أهانته بازدراء بصوتٍ مرتفع لتخدش بألفاظها القبيحة مسامعنا وبكل وقاحة، وكأن الناس حولها ليس لهم وجود، لم تكن تلك المرة الأولى التي نسمع شجارهما، ولا أدري إن كانت تتعمد أن ترينا كيف تزدري زوجها الاختصاصي المحترم وتنعته وسط المجتمع الذي يعمل به بألفاظ خارجة عن الأدب العام أمام الجميع بكل سهولة، كنا نستغرب من مدى تحمله للصفاقة التي كانت تعامله بها، هل لأنها جميلة! أم لأنه يحبها! أم لأنه أكبر منها بأربع وثلاثين سنة!! لا نعرف سبباً محدداً، ولكن كنا نعرف جيداً أن المياه تعود إلى مجاريها اليوم التالي، فكان يكفي أن نرى باقة فاخرة من الورد تدخل للقسم، مع هدية مغلَّفة بطريقة سينمائية تهز الأبدان لنفهم، وفي استراحة الظهيرة كان يأتي كالمغلوب على أمره يقّبل يدها أمامنا ويصحبها للغداء، لأبقى مع صديقتي عمري (وفاء ولبنى)، نتقاسم غداءنا ونتمازح إلى أن تدمع أعيننا، لأن المسرحية الساخرة التي كنا نحضرها بشكل شبه يومي بدت كأسطورة ولا في الأحلام!!
اعتدت أن أراه في أماكن متعددة، والأمر الغريب في كل مرة نتصادف كانت تختلف ردة فعله، مرات يملأ المكان بابتسامة عريضة، فأدرك على الفور أن حياته معها في وئام، ومرات يعبس ويتجهم وكأنني صدمت سيارته من الخلف فجأة، فأعرف أنها واحدة من الأيام التي ليس لها ملامح، لذا كنت أتعمد أن أتوارى عن مرمى عينيه، لأتفادى افتتاحيته السمجة «سمعتِ ماذا فعلت صديقتك»، وإن كانت زميلة عمل، لا أريد أن أسمع، وإن سمعت مرة فكان تقديراً لعمره فقط، أدرت ظهري وتظاهرت بالصمم، فلم تكن سوى ثوانٍ لأجده أمامي، ألقى التحية، وابتسم ابتسامته التمهيدية وفتح باب الشكوى، وكأنه شاب في العشرين لا يفقه كيف يتعامل مع زوجته في السنة الأولى!! لا أحد يتمنى أن يكون طرفا ثالثا في أي جدل يدور بين أي زوجين، لأن الاثنين لن يقبلا سوى أن تكون مع أحدهما ضد الآخر، وفي تلك الأمور بالذات لا أعرف الميل في الحق ولا المواربة، لذا أتردد كثيرا من المصارحة خوفا أن تدمرهما الحقيقة التي أتعمد أحيانا تركها خشنة دون تحسين لتوقظ القلوب الساهية، نشأت (بارعة) وحيدة في أسرة تتغنى بجمالها في الصباح والمساء عاشت مدللة بكل ما للكلمة من معنى، لم يمر على قاموسها الشخصي كلمة «لا» أو «ممنوع»، أدركت أنها جميلة منذ سن صغيرة وكانت تلك بداية المأساة، حين كنا نجلس في أوقات الاستراحة نضع شروطا تعجيزية لفارس الأحلام، كانت هي تضع شروطا من نوع آخر، ففي ريعان الشباب لم نفكر في الغنى والمال والمنصب والأملاك، كنا نبحث ببراءة عن الطيبة والحُب والأخلاق والمعاملة الحسنة، بينما كانت تصر بأن تكون زوجة رجل مهم، غني ذي منصب مرموق ولديه كثير من الأموال، فحين كنا نتمنى أن يكون طيب القلب مثل عبدالحليم، وبوسامة رشدي أباظة أو حسين فهمي، كانت تدهشنا بأنها لا تمانع أن يكون شبه توفيق الدقن، أو حتى عادل أدهم، أن كان غنياً، كنا نستغرب كمية الدهاء التي تتوالد في أفكارها وتصرفاتها، فلا تخطو خطوة إلا ويكون لها مردود يعود عليها بكثير من الفائدة، لألوم نفسي وصديقتي وفاء ولبنى، كيف عجزنا ونحن ثلاث عن استحضار واحد من المائة من هذا الدهاء في حياتنا وهو محسوب علينا كإناث!!
في النهاية كان لها ما أرادت لتتزوج بشبيه عماد حمدي الذي أغرقها بالمال والهدايا، والسؤال الذي لم أجد له إجابه مقنعة إلى الآن، ما المغزى من وراء زواج متعلم ومثقف في سن الوقار بمن تصغره بعقود من الزمن، هل فعلا تعيد إليه شبابه، أم يخدع نفسه بهذه القناعة، كمن يستمر بالتهام الحلوى وهو يعلم في دخيلة نفسه أنها ليست فقط مضرة بأسنانه، بل على دراية تامة بأن طعم المرارة الذي تذوقه، لم يكن إلا سُمًّا مخفيًّا في ورق الحلوى!
تاريخ النشر : 10-09-2014
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2014/09/10/1216616