حين يفقد الرجل عزيزاً على نفسه، يظل فترة يشعر بحالة فقدان للتوازن، فيغرق نفسه أحيانا بالعمل لكيلا يفكر إلى أن يربط الله على قلبه، ولكن حين تفقد الأم إحدى فلذات كبدها فإن حياتها تتغير تماماً ولا تعود كما كانت في السابق، مهما كان حجم مسؤوليتها وانشغالها، تظل ناراً دون دخان تستعر داخلها لا يعلم بها سوى الله، فلا تستطيع أن تنسى خاصة حين تكون الوفاة غير طبيعية وتمتد للقتل شبه العمد!
بعد أربع سنوات مازالت تكشف قضية وفاة الدكتور طارق الجهني «رحمه الله» عن سلسلة من الحوادث والتحركات المريبة التي كشفت عن أكثر من جناية وجريمة، حيث لم تكن الجريمة خطأ ارتكبته طبيبة تخدير لا تحمل فقط رخصة لمزاولة المهنة في البلاد، بل كشف ذلك الخطأ تورط أكثر من 20 شخصا من أطباء وممرضين وفنيين من جنسيات مختلفة ساهموا في ارتكاب هذه الجريمة التي بذل بها عدة أطراف معروفين ومجهولين مجهودات خيالية لتبدو كخطأ طبي والسلام مثل مئات القضايا التي أزهقت فيها أرواح الناس وضاع حقهم هباء، فيما بعد اعترضت أسرة الجهني على الحكم بالسجن لستة أشهر للطبيبة وتغريم المستشفى 100 ألف ريال، لأن الحكم كان غير عادل خاصة أن القاضي الذي عُرضت عليه القضية ليس خبيراً بالجرائم الطبية، بل مر عليه مشهد يستحق المساءلة، حين استعان الطرف المتهم بطبيب لا يصلح أن يطلق عليه سوى «شاهد ما شافش حاجة»، وإدلائه بشهادة عن تفاصيل لم يحضرها من الأساس، ولا أجد في هذا الموقف كلمة أو تعبيرا مناسبا أكبر من «يا ويل قاضي الأرض من قاضي السماء!».
أدخل الدكتور طارق المستشفى بعد منتصف الليل بإلحاح من طبيب آخر، مع أن العملية في التصنيف الطبي «غير حادة» أي يمكن تأجيلها، خاصة وأن جدة كانت تعيش تلك الأيام فاجعة ضحايا السيول التي امتلأت بهم المستشفيات، والعرف المتبع أن تبقى الأسرة غير شاغرة تأهباً أثناء الكوارث، واعترف المسؤول الأول في المستشفى بأن المريض حين أدخل إلى غرفة العمليات لم تجر له الإجراءات الروتينية المفترض اتباعها لأي مريض عادي، ولم تتم له أي فحوصات، بل لم يتم حتى الاطلاع على سجله الصحي، والأدهى من ذلك التفاصيل الطبية المؤلمة التي اتبعتها طبيبة التخدير فبدلا من أن تخرجه من الخطأ الأول الذي تسبب في تشجنه حقنته بدواء غير مناسب لتدخله في غيبوبة!!
ولأن صاحب الحق دائما أقوى، وصلت القضية للملك عبدالله الذي وقف على تفاصيلها من أم طارق شخصياً فاستقبلها استقبالا حسنا وفتح صدره لها كواحدة من بناته، سمعها وتألم وتفاعل مع مشاعرها كأم، وأعطى توجيهات للديوان الملكي بتنفيذ متطلبات الأرملة والأيتام، وأُعطيت المعاملة رقم 293، قضت الأم الثكلى سنة وراء السنة تراجع معاملتها، ولكن كان يرد عليها بأن المعاملة لم يشرح عليها بعد، وهل هذا يعقل! بل ما يدعو للجزم بأن من كلفه الملك بتنفيذ الأوامر استهتر بها ولم ينفذها، ومن ناحية أخرى بعد أن تقدم المستشاران السليماني والعطار لأم المجني عليه وعرضا مساعدتهما بصفتهما أعضاء المنظمة العربية لحقوق الإنسان ونجحا في الحصول على توكيل منها، وبدراستهما لملف القضية من جميع جوانبها تم اكتشاف أكثر من متهم، وشريك ومتداخل ومحرض ومخبئ ومتعاون وممول ومتورط ما يجعل القضية جنائية، ويبقى السؤال: أين المستشاران الآن بعد وصول القضية لهيئة التحقيق والادعاء؟ وهل تغيرت أرقام هواتفهما!
في كل قضية رأي عام لابد أن تجد أفرادا يدعون الاهتمام بالقضية والمساعدة، ولكن حين تراقبهم لفترة تكتشف بأنهم كانوا يصنعون دعاية لأنفسهم على جراح وآلام الآخرين، وما يجعلنا نتأكد بأن هناك من يتعمد عرقلة هذه القضية ويؤخر تنفيذ الأوامر الملكية حين لعب رجلان مجهولان دورا مريبا فتقمص أحدهما شخصية أمير، والأخر شخصية ضابط مساعد له ليتقنا الدور، فاتصلا بأسرة الجهني واستمعا منهم إلى تفاصيل القضية، وبعدها تبخر الرجلان ليؤكدا بأن تلك التمثيلية وراءها مجموعة من النافذين، وأن الجهني كان قتله متعمدا وليس شبه عمد، والمتورطون أكثر مما كنا نتوقع.
طارق لم يكن سوى الابن البار والمخلص لبلده الذي رفض أن يبيع وطنيته حين عُرضت عليه الجنسية الأمريكية وأربعة أضعاف راتبه تقديرا من الغرب لعلمه وأبحاثه، بل كان معدنه نادرا حين أجاب «لم تعلمني والدتي خيانة بلدي» لأن من قامت على تربيته لم تكن فقط سيدة فاضلة وأم غير اعتيادية عملت سنوات في هذا البلد، بل ابنة لقاضٍ نزيه عاش على تراب هذا الوطن ورحل تاركاً ما زرعه قويا شامخا ينمو في أجيال قادمة.
يعتقد بعضهم بأن طول الوقت يقتل القضايا كما قتل أصحابها، ولكن هذه القضية لن تموت بل ستلاحق المجرمين إلى الأبد!
تاريخ النشر : 07-05-2014
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2014/05/07/1136835