ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي مُنعت فيه مريم من اللعب معنا، حين وصلت للصف الرابع، لم نفهم آنذاك لماذا كان عليها أن تُحرم من اللهو، لأن الفتاة كبُرت مع أنها لم تتجاوز التاسعة، اعتدنا اللعب معها بعد أن ننتهي من أداء واجباتنا المدرسية أمام باب المنزل بشكل يومي، وعلى الرغم من المنع إلا أن الجميع تعاطف معها، لتستمر في مشاركتنا اللعب بطريقتها المبتكرة من خلال نافذة علوية تطل على الطريق، وكان متعارفاً بين أبناء الجيران أن من تكون مريم في صفه ذلك النهار سيفوز في نهاية اللعبة، ما زلت أذكر صوت ضحكاتها وهي تشي بنا أثناء لعبة الاختباء، حيث كانت لا تعرف في اللعب أخاها من غريمها، فكانت تشي بأخيها وبي حين نختبئ في مكان يعجز الآخرون عن إيجاده، وحين تصبح المساعد المخلص أُدرك على الفور إن وراء هذا الإخلاص سرًّا على وشك الظهور، وما أن أفوز حتى تبدأ بمساومتي بطلب المثلجات و الحلوى، فعرف أبناء الجيران نقطة ضعفها، فأمطروها بكل ما تشتهي من حلويات لتسهل لهم مهمة الانتصار، فكانت تُدلي من نافذتها سلة من الخوص تنتهي بحبل معقود في طرفها والطرف الآخر يصل إلى قضبان نافذتها في انتظار سحب الغنيمة، تدفعنا على مجاراتها والانصياع لطلباتها بخفة ظل طبيعية، وتجبرنا على الضحك على تعليقاتها ودعاباتها طويلاً، .. هكذا احتفظت بها في ذاكرتي، المحبوبة الشقية التي (تبتزك وأنت تضحك) من نافذتها، وحين ينكث أحد الصبية بوعده كانت تناديني بأسماء مضحكة لأنقذها فلا أملك سوى التجاوب معها لعذوبة طريقتها التي تجددها بأسماء وألقاب أكثر إضحاكاً في كل مرة.
نشأنا في بيتين متجاورين، في جو يملؤه الحُب والإخوة لدرجة أصبحنا فيها متقاربين أكثر من الأسرة الواحدة، فكنا نعرف ما يدور في بيتهم وهم كذلك، واعتاد أبناؤهم قضاء أوقاتٍ طويلة في رعاية والدينا حين يكون والداهم غائبين عن المنزل، أو في ظرف سفر ونحن كذلك، فكنا نتبادل الطعام والملابس والصحون وكل شيء، مرت الأيام سريعاً و بدأت المرحلة الجامعية تُحدث تغييراً في حياتي، فابتعدت عن المنزل لوجود مقر الجامعة في منطقة أخرى، فلا أعود إلى المنزل الا في نهاية الأسبوع، في إحدى المرات إبان عودتي سمعت بأن شخصاً ما تقدَّم لخطبة مريم، فشعرت بالضيق والحيرة، وحين عُدت إلى جامعتي ذلك الأسبوع كانت مريم تسيطر على تفكيري، فداهمني ذلك الإحساس الغريب الجميل، وتسلل إلى قلبي في منتصف إحدى المحاضرات، التي ما إن انتهت حتى اكتشفت أنني …أحبها…
تزوجت أختها الكبرى وخُطبت التي تليها في شهر واحد، ليتملكني الشعور بالخوف والتهديد من أن يأخذها غيري بعد أن تفرع حُبها داخل قلبي، كنت في السنة الرابعة حين أقنعت والدي بالتقدم لخطبتها، وفي نهاية تلك السنة، ذهبنا ذات مساء لبيتهم، واستقبلنا والدها بحفاوة كعادته، وما أن صرَّحت بأنني أحب ابنته وأرغب الزواج منها، حتي قام من مقعده كالمذعور وقال لوالدي: نحن جيران نعم، ولكن عائلتنا لا تُناسب عبيداً،… وتوجه داخل المنزل سريعاً بعد أن شعرنا بحرارة غضبه، تركنا في المجلس نتبادل النظرات بذهول، لا نصدق ما سمعنا، خاصة ونحن ننحدر من أصل طيب لا تشوبه شائبة، جردنا من أصلنا وآدميتنا ومحا سنوات طوالاً من العشرة المميزة.. في كلمتين!
في الأسبوع التالي تزوجت مريم، ولا أعرف عمق الصدمة التي سببها لي ذلك الخبر، خاصة بعد أن مرَّ أكثر من خمس سنوات وفكرة الزواج لم تُطرق بالي، إلا بعد أن فشل زواجها وعادت إلى منزل أهلها بعد 12 سنة، حيث عادت العلاقات بين الأسرتين وتحسنت كثيراً بعد وفاة والدها، فاتخذت قراري لعل الزمن يكون غيَّر ما في أنفسهم، استقبلني أخوها استقبالاً كريماً، تسامرنا وتحدثنا وضحكنا طويلاً ونحن نرجع شريط ذكريات الطفولة وبعد أن توقفنا، بدأت أشعر بكثير من الارتياح خاصة بعد أن قال «لم نعرف جيرة خيراً منكم» وحين بدأ يسكب القهوة، قلت له: « أتيت اليوم لأطلب يد أختك مريم على سنة الله ورسوله».. فوضع فنجان القهوة، ورفع رأسه بكل هدوء ليقول (هداك الله أنسيت؟ نحن لا نزوجكم بناتنا هذا عُرف العائلة) … ليموت الحب، ويموت الناس، ويبقى الجهل يتنفس … عقوداً من الزمن!
تاريخ النشر : 27-11-2013
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2013/11/27/1007591