لاحظت مديرة مدرسة ابتدائية في محافظة جازان تدهوراً في صحة إحدى طالبات الصف الرابع، التي ما لبثت أن اعترفت بين يدي مديرتها ببراءة حين شعرت بشيء من الحنان والاهتمام بأنها تشعر بإعياء شديد بعد أن قام والدها بتزويجها مؤخراً، فأرسلت المديرة على الفور خطاباً للشرطة يشرح حالة الطفلة التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها، وحولتها للمستشفى للكشف على حالتها الصحية لتلقي العلاج، وعادة في مثل تلك الحالات في المجتمعات التي تحترم حقوق الطفل تتصل الشرطة على الشؤون الاجتماعية، وحقوق الإنسان التي يكون لديها صلاحيات مسبقاً بتحويل الأب والزوج للتحقيق، ولكن ما حدث كان سيناريو آخر، حيث اتصلت الشرطة بالزوج والأب اللذين حضرا للمستشفى وتسلما الفتاة دون أدنى إحساس بالمسؤولية أو بالجريمة التي ارتكبها الأب حين نقل مُلكية قاصر لولي أمر آخر، بل برَّر الأب فعلته بأنها لا تبلغ العاشرة، مكذباً بكل سهولة ما شاهدته المديرة التي تملك ملف الطفلة وتفاصيلها، ولو كنت مكان وزير التعليم أو رئيس هيئة حقوق الإنسان لكافأت المديرة على حسها الإنساني كمواطنة كاملة الأهلية قامت بواجبها بتوصيل معاناة مواطنة قاصر للدولة، ولأثنيت على موقفها الإيجابي الذي يندرج تحت المسؤولية الاجتماعية، وزواج القاصرات يعد من أقسى الجرائم الإنسانية التي تُجبر عليها الضعيفة منذ صغرها ولم تتوقف إلى يومنا هذا، حيث يُمارس ضدها تسلطاً أشبه بالاستعباد و الاتجار وقبض ثمنها تحت اسم الزواج، الذي يشارك فيه مأذون الأنكحة مع الوصي هذا الانتهاك فيعقد (للقاصر) دون خجل بمقارنة ما يفعله بسيرة زواج سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام بأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، ولا يستحضر أي منهما وصيته عليه السلام حين أوصى بهن خيراً في حجة الوداع!!
ومع أن نسبة النساء في المملكة تشكل نصف تعداد السكان، إلا أنها لم تسلم من تعنت الجهات التي تقدم خدمات للمواطن حيث لم تحدث قوانينها لتعترف بها كإنسانة كاملة الأهلية حتى بعد بلوغها سن الرشد، بل مارست ضدها تمييزا عنصرياً مخجلاً وثقته في سلسلة متتابعة من القوانين العشوائية وغير المنطقية التي أجبرتها أن تعيش مقيدة ومعاقبة على جريمة لم ترتكبها طوال حياتها! فلم تحدد إلى الآن الجهات القضائية سناً أدنى للزواج ولم يصدر نظام يمنع ويُجرّم زواج القاصرات، بل تتحول في يوم وليلة إلى راشدة حين تتزوج، وحين ترتكب جريمة لكي تعاقب كإنسان راشد، ويمارس أيضاً نظام الأحوال المدنية التمييز بطريقة مستفزة تستنقص في قدراتها العقلية، فمهما كان منصبها أو درجتها العلمية، مازالت لا تملك الحق في إصدار بطاقة هوية عائلية توثق علاقتها رسمياً بمن أنجبتهم وتمنحها صلاحيات تضمن لها التصرف في إدارة شؤونهم في الدوائر الحكومية والمدارس أو التنقل معهم، بدلاً عن ذلك حرمها النظام من هذا الحق ومنحه بشكل لا يُنازع فيه للرجل، ولا يُسمح لها أيضاً في حالة عدم وجود رجل بتسجيل وفاة زوجها أو أحد أقاربها، بل يصر النظام بالاكتفاء بابنها حتي لو كان تحت سن الرشد في إهانة مؤلمة لشأنها وتجاهل تام لدورها ومكانتها الرئيسة في الأسرة والمجتمع، فإذا لم يتوفر الابن أو الطفل، عليها أن تلجأ للعمدة أو شيخ القبيلة لكي يقوم بذلك وكأنها شبح (لا وجود لها)!
ويمارس أيضاً صندوق التنمية العقاري تمييزاً في منتهى الإجحاف قادراً على أن يجلط قوة التحمل والصبر في كيان أي امرأة حيث قيد الشروط الخاصة بها وحصرها على فئة معينة من النساء لتشمل من تجاوزت الأربعين ممن لم يسبق لها الزواج، والمطلقة التي مضى على طلاقها سنتان فأكثر، يعني (المطلقة من سنة أو ستة أشهر لا تصلح) والأرملة التي لم تتزوج، ومَن تعول أسرة، وللزيادة في تعقيد المسألة تدرس إدارة الصندوق كل حالة بشكل فردي على حسب زعمهم، لتطول سنوات الانتظار والذل والاستجداء، بينما يُمنح هذا الحق دون تعجيز لأي رجل بعد أن يبلغ عمر الـ 21 ، أي عنصرية هذه!
كيف يحدث في بلدي الذي بُنيت أساساته على العدل أن يطال التمييز الأم والجدة التي أنجبته والمعلمة والطبيبة والمهندسة والمحامية وعضوة الشورى التي تخدم هذا الوطن كراشدة!؟ هل عدل أن تستمر المرأة في بلدها لا تبلغ سن الرشد طوال حياتها بينما يمكنها أن تبلغه في أي دولة أخرى، النصف المهم في جميع المجتمعات وهي المؤسس التي تقوم على عاتقها الأسرة، متى ما اُعطيت حقها وكُرمت و رُفع من شأنها بالقانون، صلُح المجتمع وتربي أفراده وأجيال قادمة بشكل صحي ومستقر، وإذا استمرت عملية تحجيمها كقاصر واستنزاف طاقتها بالمطالبة بحقها، فلن تمنح المجتمع سوى مزيد من النفسيات المهملة وكثيرٍ من الاضطراب.
تاريخ النشر : 09-10-2013
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2013/10/09/966327