منذ الصغر ونحن نشاهد حرص أهالينا على تنظيف الفناء الخارجي للمنزل بشكل يومي، يصل في بعض الأحيان لتنظيف الرصيف المحيط بالمنزل بمنتهى الإخلاص، بالإضافة إلى إصرارهم على تجميل مداخل بيوتنا البسيطة آنذاك بزراعتها بالياسمين والفل والريحان وبعض النباتات الجميلة التي دائماً ما تترك انطباعاً مريحاً في نفس سكان المنزل وضيوفه، كنا نعتقد أنهم يبالغون في التنظيف الذي يجبروننا على المشاركة فيه أغلب الأوقات، ولكن بعد أن كبرنا أدركنا أنهم كانوا يعلموننا درساً أساسياً في الأخلاق، يعكس مدى احترام أصحاب المنزل لأنفسهم أولاً، وحجم التقدير الذي يحملونه لضيف المنزل المجهول مقدماً.
لم أتوقع أن أجد الفرع النسائي في مكتب الأحوال المدنية بالدمام في الصورة الكئيبة نفسها التي تركتها عليه منذ أول زيارة من عشر سنوات، وكنت قد كتبت عنه منذ سنوات لعل وعسى يستجد شيء، فمازالت زوبعة القمامة والأوراق التي تتعارك في دوامة مستمرة تستقبل المراجعات في مدخل الفرع، الذي كنت أتمنى على الأقل أن يتم تغيير المصعد المتهالك القابع داخله منذ سنين ليريح المراجعات وكبيرات السن بدلاً من زيادة عذابهن، فمازال حاراً، خانقاً، كئيباً وخالياً من التهوية بشكل مهين يثير الغضب ويتلف الأعصاب، والتطور الوحيد الذي لحق به توافر الإضاءة، بعد أن كانت المراجعات في السابق يصعدن ويهبطن به في الظلام وكأنه أداة تعذيب، ومازالت كراسي الانتظار غير المتشابهة تمتد من الجدار للجدار، تجلس عليها المراجعات من الثامنة صباحاً في انتظار طويل ممل لإجراءات تكتب يدوياً في استمارات وتحفظ في ملفات علاقي!! ناهيك عن آلية المراسلات المكتبية التي لا تعترف إلى الآن بالبريد الإلكتروني، بل تتم من خلال صندوق خشبي في الجدار!!! وتنتشر الملصقات على الجدار بشكل غير مرتب لتزيد من تشويه المكان منها إشعارات تذكيرية تخص أنظمة الأحوال، وبعضها دينية متعددة، ولم أجد ملصقاً واحداً يحث على المحافظة على نظافة المكان، وحتى المصلى المتواضع لم تعرف النظافة طريقاً إليه، بل تعشعش الأتربة ونسيج العنكبوت في زواياه بشكل اعتاد عليه الجميع، ولم تتغير دورات المياه التعيسة ولا المغاسل الأكثر تعاسة التي مازالت تختفي من فوقها المرايات، ولا أثر سوى لمرآة واحدة صغيرة وضعت بجوار آلة التصوير!!
تدني مستوى الخدمات والنظافة في ذلك المبنى لا يعكس سوى مدى تقدير هذا القطاع لزائرات الفرع الذي لا يصلح لاستقبال الناس!
وفي المركز الموحد لإصدار التأشيرات في الرياض وقفة أخرى، فبعد أن كان الناس ينهون إجراءات تأشيراتهم من عدة مناطق، تم حصرها ليجبروا على السفر جميعاً إلى الرياض والتكدس في مركز واحد صغير يقع في الطابق الأول بمبنى دوف بلازا بالقرب من هايبر بندا أم الحمام، حُشرت فيه معاملات جميع تأشيرات دول أوروبا وأستراليا وأمريكا وآسيا، فتبدأ الإجراءات بطريقة حضارية بأخذ موعد عن طريق النت، وتنتهي بطريقة بدائية يتراكم فيها الناس فوق بعض ويضطر المراجع للعودة أكثر من مرة بسبب تعطل جهاز البصمة لمدة ثلاثة أسابيع إلى المكان نفسه غير الحضاري، الذي لا يصلح لاستقبال عدد كبير من الناس، فلا تتوافر كراسي كافية للانتظار، ولا يوجد سوى مصلى صغير للنساء لا يصلح للاستخدام أبداً، ودورة مياه بدائية تحوي أربعة حمامات، منها اثنان مغلقان (للموظفات فقط)، واثنان لعشرات المراجعات تعتبر أسوأ من مستوى دورات المياه في محطات طريق الدمام -الرياض!!
وإلى اليوم مازالت أغلب الدوائر الحكومية تعاني من فشل تنظيمي وجمالي في استقبال المراجع بشكل محترم يليق بحجم الوزارة التي تتبعها، فنادراً ما تعطيك بعض الدوائر انطباعاً رسمياً عندما تزورها على قدر ما توحي لك بأنك داخل (استراحة)، وأثناء إجراء معاملتك أمام الموظف أو الموظفة يشد انتباهك بشكل لا إرادي (كركبة) في الخلف، فترى هناك فناجين شاي أو قهوة متسخة تتناثر على الطاولات بشكل عشوائي تحوم فوقها مجموعة من الذباب وتقف مجموعة أخرى تستريح على (زبدية تمر)، وفي زاوية أخرى تقع عينك على سجادة صلاة ملقاة في أحد أركان المكتب مطمورة بكمية مهولة من الغبار، وأوراق تتناثر بشكل عشوائي في كل مكان وصناديق ممتلئة بالملفات تتراكم عليها الأتربة كالبساط الأبيض تجبرك على سؤال نفسك (متى آخر مرة تم تنظيف هذا المكان)! ما الذي ينقص لتتحول دوائرنا الحكومية إلى مكاتب رسمية نظيفة راقية تعكس بيئة عمل صحية، تقدم بين أروقتها خدمات ذاتية إضافية وإلكترونية للمراجع، ويعمل بها موظفون بهندام رسمي، أنيق المظهر يُشرف الدائرة والوطن، ويستخدم كلمات مرتبة ومحترمة أثناء حديثه مع المراجع دون أن يجعل كلماته السلبية تنهي معاملته مع الناس مثل (النظام عطلان)، أو (راجعنا بكرة )… كل ما نتمناه أن تستقبلنا الدوائر الحكومية بقليل من الاحترام وكثير من النظافة لأنها تمثل الدولة.. والدولة تُجيد احترام وإكرام ضيوفها، فكيف بأهلها!
تاريخ الشر : 07-08-2013
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2013/08/07/913122