اختطفت كرة القدم الرياضة واحتكرتها على نفسها منذ سنوات مع سبق الإصرار دون أن تحتاج لترصد، لتُحتجز كالرهينة اليتيمة التي (لا أهل وراءها) فلم يحاول أحد تخليصها من براثن (القدم)، ولم تتكلف أي جهة رسمية ولا حتى رعاية الشباب تحمل مسؤوليتها أو حتى مجاملتها بشيء من الانتباه، ربما لأن أغلب عشاقها من رجال الأعمال والأثرياء الذين اعتادوا دعمها بأموالهم ولا توجد لديهم رغبة من الأساس في الرياضات الأخرى، واحتمال أن هذا المال الوفير كان كافياً لمنحهم حق التحكم بالفوز أو الخسارة (هكذا يعتقدون)، لأنها منحتهم حرية (شراء) أقصد استقطاب أي لاعب محترف ومدربين أجانب بعقود تقدر بملايين الريالات التي في نفس الوقت يستكثرونها على المدرب أو اللاعب الوطني حتى لو كان ذا خبرة، فهاهم بعض رؤساء الأندية يقودون صفقات مليونية بأريحية تامة محركين بعض اللاعبين كالشطرنج بتصفيق حاد من رعاية الشباب التي من المفترض أن تقنن تلك الصفقات بما يخدم المصلحة العامة بحيادية تامة، ولكن يبدو أن الهوس والتحيز الكروى الذي نما الفترة الماضية كان أكبر مما كنا نتصور، حتى لو أطلقنا لخيالنا العنان بجنون، حين وُضع المصنف الثالث عالمياً فجأة أمام المصنف الـ113 في مباراة ودية يدعون أنها خدمت المنتخب الوطني وأعادت له الثقة بنفسه، وفي الحقيقة كانت تلك المباراة كمثل ابتلاع قطعة جديدة من الحلوى التي لم نجربها من قبل، حيث ذابت في أفواهنا سريعاً، لتبقى حلاوتها تدوم وتدوم في جيب الفريق الضيف الذي لعب مباراة دبلوماسية (تطييب خاطر) فلم يتدرب لهذا اللقاء لأنه يعرف جيداً أن المنتخب كان مُحبطاً ويمر بأسوأ فتراته وطال هذا الإحباط الجماهير التي حمل أعداد كبيرة منهم أعلام المنتخب الضيف ما أثار حفيظة بعض مسؤولي الرياضة وحزّ في نفوسهم كثيراً، فهنيئاً لغرورنا هذا التميز الذي سيسجل في تاريخ المنتخب، وهنيئاً للمصنف الثالث تلك الملايين التي غادرت معه البلاد في تكتيم إعلامي ناجح.
في الوقت الحالي أصبح المجتمع على وعي ودراية تامة بحجم الميزانية الضخمة التي تخصصها الدولة بالمليارات لكل قطاع حكومي للتطوير من آلية تقديم الخدمات الأساسية والترفيهية للمواطن، ونتفق على أن (أغلب) الوزارات لم تقم إلى الآن بواجباتها، وما هو متوقع منها على أكمل وجه، فكيف نتوقع خدمات رياضية ترفيهية متكاملة والأساسية لم تصل بعد؟! ولن نختلف كثيراً في أننا في أكثر من مناسبة لا نرى أثراً لتلك المليارات التي تصرفها خزينة الدولة على أرض الواقع، بل بالمقابل نصطدم بعد انتظار طويل بخدمات دون المستوى وبأساسات ضعيفة، بل أغلبها يظهر فجأة كالأحياء العشوائية التي نمت وتكاثرت على خطأ لسنوات وحين انتهت بكارثة انتبه لها الجميع!
ولا يوجد إلى الآن رياضة حقيقية تثلج الصدر في المملكة، بل مجرد ملاعب ضخمة مازال بعضها يفتقر لكثير وأندية ولاعبين يتلقون أوامر من أثرياء بالفوز، أو الوعيد والتهديد في انتظارهم، مع ازدياد متلازمة (أبوالعُريف) التي تفشت في المجال الكروي بالذات، حيث تصيب بعضاً ممن لا يملك معرفة ولا أساساً قوياً لإرساء دعامة أي مشروع ناجح، بل يكتفي بالاعتماد على الثقة التي تمنحها له قوة المال، فيغامر مرة وراء الأخرى بقرارات فريدة من نوعها وأفكار نيرة لا مثيل لها (كما يراها) وهو لا يدرك حجم الفشل والإحباط الذي سيصاحب تلك المغامرة لسنوات طويلة يدفع ثمنها آخرون!
ولن يضير رعاية الشباب أن تعيد حساباتها وتخفف من ظاهرة الهوس الكروي التي جنحت بالأهداف العامة التي تقوم على أساسها الرياضة في العالم، وتطفئ قليلاً من الأضواء المسلطة على القدم، وتستثمر في رياضات من شأنها بناء وتقوية البنية الجسدية للنشء منذ سن مبكرة، فما الذي يعيقها عما أبدع ونجح فيه الآخرون من بناء فرق محترفة للسباحة، والركض، والوثب العالي، وألعاب القوى والجمباز، ومساندة رياضة السباحة والرماية بنفس القوة التي حظيت بها الفروسية، إذ لن يعجزها أن تستقطب مدربين لألعاب القوى وتنشئ ملاعب أكثر لهذه الرياضة، لينضم لها طلاب المدارس بعد المدرسة باشتراك رمزي من أجل تأسيس وبناء أجساد الجيل القادم على الأقل منذ سن صغيرة، حتى يتسنى فيما بعد جني هذا الاستثمار في بطولات عالمية في المستقبل، خاصة بعد تفوق عديد من الدول في حصد ميداليات ألعاب القوى في المسابقات العالمية، حين فشلنا نحن بسبب ضعف البنية الجسدية وغياب التدريب، الذي اعترف به كثير من خبراء ومسؤولي الرياضة في المملكة، ومازالوا يصرحون به على شاشات التلفاز منذ سنوات دون أن يدركوا أنهم وراء ذلك الإخفاق لأن الرياضات الأخرى ليست على لائحة اهتماماتهم، وبعد أن وصل المنتخب إلى 113 عالمياً مازال كثيرون منهم يصرون على أن الكرة السعودية ستظل الأفضل حتى بعد تفاقم حالة الضعف الإداري، إذ لم تستفِد إلى الآن رعاية الشباب من هزائم المواسم الماضية، فأضاعت على الرياضة السعودية فرصاً (قد لا تتكرر) بالوصول إلى نهائيات وبطولات عالمية في المستقبل إذا ما استمر أداؤها بهذا الشكل المتذبذب دون إقرار خطط مستقبلية يُعمل بها، ومع أن الكرة في هذا الزمن أصبحت تمتلك بحبوحة كبيرة من المال إلا أنها مازالت تفتقد للعقول المخلصة والأفكار المنطقية، ولن تنجح بشكل بسيط إلا بعد أن تُجرب محاكاة نماذج ناجحة في إرساء سياسة واضحة وتعزيز قاعدة صلبة، وتتخلص من تحيزها، وموقفها السلبي تجاه بعض الأمور، وعلى الرغم من ذلك لم يمنع هذا حقيقة تصدرنا قمة هرم التميز والامتياز دائماً، فنحن الوحيدون الذين كسرنا حاجز اللغة وتوصيل معنى “ومن الحب ما قتل” دون أن نبذل أدنى عناء للترجمة أثناء استقبال اللاعب الأول عالمياً، ولو كان الوقت والمكان مناسبين للاحتفاء به لأطلقنا النار فوق رأسه ابتهاجاً، ولكن اخترنا أن نطلق عشرات النكات على أنفسنا التي تعرف كيف تضع الإخفاق في خانة “على البركة”.
تاريخ النشر : 12-12-2012
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2012/12/12/619908