هاله القحطاني
  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الموقع الشخصي للكاتبة هالة القحطاني

  • الصفحه الرئيسيه

  • مقالات

  • إصدارات

  • من حافة المجرة

  • مُنع من النشر

  • أقلام صديقة

  • حوار

  • حكاية صورة

الأرملة التي غلبت الرجال!

الشرق | 0 تعليقات

منذ عهد الخلفاء الراشدين والمرأة العربية تبهرنا كل يوم بمواقف تُظهر لنا فيها حجم قوتها وتجلدها وصبرها، ضاربة الأمثال والعبر في لحظات يصعب فيها المحافظة على الاتزان، بقوة صبرها وتحملها الذي عجز عنه كثير من الرجال، لتستمر في تعليم الذكور أبجديات الرجولة الحقيقية عملياً. فسرد لنا التاريخ قصصا عن نساء تعلم منها الناس على مرور الأجيال، مثل قوة وشجاعة الخنساء مع بداية القوة الشعرية قبل الإسلام، ما جعل الرسول عليه الصلاة والسلام يشهد بأنها أشعر العرب، إلى قوة الإيمان وشدة الصبر والتجلد بعد أن وصل إليها خبر استشهاد جميع أبنائها في معركة القادسية، حين أمرتهم على القتال والثبات وعدم الفرار آنذاك!
وسجل عصرنا الحالي مواقف بطولية، وشدة بأس عدد آخر من النساء ذوات الحزم، تملص من مواجهتها بعض الرجال، لتقف أمامها المرأه بموقف صارم ثابت لا تزعزعه مغريات الدنيا ولا ملذات الحياة، وكثير من النساء تفاجِئنا بقوة إيمانها في زمن اعتاد أن يقول فيه الناس ما لا يفعلون! بل كثيراً ما تكون في مواقف تُخجِل فيها الشهامة، كيف لا وهي المعلم الأول لأطفالها الذين تشجعهم على بداية نطق الأحرف لتعلمهم أساسيات الحياة، والأخلاق، والأدب، والرجولة، مع بداية خطواتهم الأولى التي تدفعهم إليها، وتشجعهم لكي يخطوها، لتستمر بتعليم دروس لا نهاية لها عن معنى الوفاء، والإخلاص، والحب والكرامة، فكم من رجل يُدين لأمه أو زوجته أو أخته في الدنيا بما هو عليه الآن، ولا نستطيع أن ننسى بين ذلك كله موقف أخت أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب ) رضي الله عنه، الصارم، الذي اتخذته، ولم تخف من بطشه، ولم تتراجع بعد أن اكتشف إسلامها، بل كان ذلك الموقف أحد أسباب دخوله إلى الإسلام.
وكثير من النساء لا يتخيلن أن هناك ألما أشد من ألم المخاض والولادة، إلا حين يجربن فجيعة فُراق أحد فلذات أحشائهن، بل لا يوجد أصعب وأقسى من أن تفقد الأم أحد أطفالها، حيث من الممكن أن تستأسد إذا شعرت مثلا بأي خطر يحدق بهم، فكيف تتخيل حجم الألم الذي من الممكن أن يعتريها حين تُفجع بمقتل أحدهم مغدوراً وهي بعيدة عنه؟
فها هي أرملة تبوك (أم سهل) تفارق ابنها «سندها الوحيد» الذي بقي لها في هذه الدنيا بعد وفاة زوجها، ليذهب إلى بارئه بعد أن تلقى ثلاث طعنات إثر مشاجرة وقعت بينه وبين شاب آخر من نفس القبيلة، وترك وراءه والدته الأرملة لتترمل مرة ثانية مع ثلاث أخوات وأخ صغير لم يتجاوز العاشرة، ليتجرعوا مرارة اليُتم من جديد، وهم الذين يعانون منذ وفاة والدهم من ضيق اليد والمعيشة، فلا يكفيهم راتبه التقاعدي الذي لا يتجاوز ألفي ريال، في زمن تتسابق فيه الأسعار في الارتفاع، وغلا فيه كل شيء، هذا إضافة إلى أنها لا تملك منزلا بل تقيم في الإسكان الخيري بتبوك، ومنذ وقوع الجريمة، وأهل القاتل يحاولون معها بشتى الطرق والوسائل بالمال والعقار، حيث عرضوا عليها فيلا سكنية ورفضت، ومليون ريال، ثم زاد المبلغ إلى مليونين مقابل التنازل، إلا أنها رفضت كل المغريات التي قُدمت لها، ولم تتأثر ولم تضعف أمام حاجتها للسكن أو المال، ولا أدري كيف يجهل بعض الناس أن «ضنى الأنثى» لا ثمن يُضاهيه، ولا ملايين الدنيا تُقدر بشعرة واحدة فقط من رأسه. صمدت الأرملة الثكلى المكلومة فترة من الزمن تلملم أحزانها وجراحها، وبعد أيام قليلة من صدور حكم القصاص، ذهبت على الفور لمراجعة المحكمة، وطلبت مقابلة قاتل ابنها في موقف يصعب على أي أم أن تقف فيه، ولكنها طلبت ذلك بكل قوة وثبات، وحين أُحضر القاتل إلى المحكمة، قالت له أمام القاضي «يا (ب) أنا معفيتك لوجه الله، أنا من ربيت سهل، وأنا أتنازل عنك الآن لله، ولا أريد إلا ما عند الله»!
كلمات بسيطة جمعت كثيرا من الحكم والدروس والإيمان الحقيقي لتفاجئ جميع الأطراف المرتبطين بهذه القضية، في نفس الوقت الذي يتسلم فيه رجال آخرون عشرات الملايين ثمن عتق رقاب قاتلي أبنائهم، ويتذرعون في النهاية بأنهم قاموا بالعفو «لوجهه الكريم» لتتغلب بذلك أرملة تبوك على الرجال في موقف شديد الإيمان والشهامة، وتشتري الآخرة بمتاع الدنيا وأموالها، بعد التنازل عن قاتل ابنها اليتيم، لتعيد لمشهد التنازل إنسانيته مقابل ما عند الله قولاً وفعلاً، وتسجل رقيقة الحال درساً في معنى الكرامة، والحب، والأمومة، وقبل ذلك حجم العفو عند المرأة، في زمن قلت فيه المبادئ والأخلاق، ويتقاتل فيه كثيرٌ من أجل المادة. كم هو كبير حجم التسامح في قلوب بعض الأمهات، ومع ذلك تستضعفها، وتستحقرها، وتقلل من قيمتها، وتسلبها حقها بعض المجتمعات الإسلامية مع الأسف، ويستمر حدوث ذلك مع مرور الأجيال التي تنُجبهم!
اللهم «برد على قلب أم سهل» وعوضها خيرا من عندك، فما فعلته عجز عن فعله كثير من الرجال في هذا الزمن، حين أحيت بعفوها سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام. نحمد الله على أن الخير مازال باقيا في هذه البلاد بوجود أناس يملكون حب ما عند الله في قلوبهم أكثر من حب المال.

تاريخ النشر : 31-10-2012

المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2012/10/31/557680

اللص الإداري!
قانون لمى
468

أرسل إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بتقنية مهارتي | ووردبريس

حميع الحقوق محفوظة للكاتبة هاله القحطاني

تطوير منصة اعمالي من مؤسسة تنامي ©