ملتقى المرأة كشف بوضوح واقعا لا يُجمّل ولا يُخفى، اجتمع فيه أكثر من ألف باحث وباحثة من العلماء والمفكرين والمختصين رجالاً ونساءً، رأينا فيه جميع الرجال الذين توقعنا حضورهم والذين لم نتوقع، ولم نر امرأة واحدة، في تجاهل لشريحة كبيرة من السيدات اللاتي تعرضن للتعذيب والإساءة والضرر، وكأنها للتو سقطت من سماء المملكة بعد أن ضلت طريقها، آتية من كوكب آخر خارج المجرة، ولم يسقط معها للأسف كُتيب إرشادات يشرح «ما لها وما عليها»!
كُنت أتمنى ألا يتم نقل ذلك المؤتمر في وسائل الإعلام المحلية بهذا التوسع والفخر، لأن الإعلام الغربي يترصد لأخطائنا، فكيف بإعطائه هذه الفرصة على طبق من ذهب، حيث سيتم تناول هذا الحدث بكل سُخرية واستهزاء، وستصبح رقبتنا (قد السمسمة) حين تُعرض صور الحضور من الرجال وهم يجلسون خلف منصات وشعارات تحمل اسم (ملتقى المرأة)، ولا يوجد سواده أو حتى خيال امرأة واحدة في الحدث، وهذا ما يدعو للدهشة والاستغراب، وبما أن (أهل مكة أدرى بشعابها) كان من باب أولى أن تقود السيدات محاور اللقاء، وليس هذا الكم الهائل من الأجهزة الحكومية التي اجتمعت تحت سقف واحد ولمدة يومين على التوالي، دون إعطاء الفرصة، لظهور امرأة واحدة تتكلم بحجة الحفاظ على القيم الإسلامية، التي تم تجاهل العديد منها في أرض الواقع، ولكن كما يبدو أن السياسة الذكورية هي التي سيطرت على جميع المواقف كالعادة، أو ربما لأن كثيرا من نساء المملكة خُرس، لا يتكلمن!.
اجتمعت شخصيات وأسماء لامعة في حقوق الإنسان والعدل والشورى والشؤون الاجتماعية والشؤون الإسلامية، وشخصيات أخرى ليست لها علاقة، وذكروني بمقولة (سابوا الجيوش والمماليك…!) من أجل وضع ميثاق الحقوق والواجبات الخاصة بالمرأة، ولم أر في حياتي تجمعا بهذا الحجم، حيث برزت ألوان وأشكال المشالح بشكل لافت للنظر، ما عكس بوضوح تطبيق نظرية تمكين المرأة، ولم تكن أوراق الملتقى بتلك القوة المتوقعة، بل ضجة إعلامية تبعث برسالة ركيكة تقول (لا تقولوا بأننا لم نبذل مجهودا ولم نفعل شيئا!) ولا أدري ما التغيير الذي نرجوه من باحث أطلق عليها في ملتقى رسمي: «الحرمة»!.
بيروقراطية سوداء سيطرت بشكل مباشر وغير مباشر على بعض القضايا والمحاور التي كان أقساها وأسوأها، ألا يُعالج الرجل زوجته سواء كان فقيراً أو غنياً، لأنه على حسب «بحثهم» لا تجب عليه نفقة علاجها – واستدلوا على ذلك بأنه مثل حكم المؤجر والمستأجر! تصريح لا يدخل العقل ولا يرضى به أي إنسان خلت من قلبه الرحمة، يقلب الموازين الطبيعية، ويُشجع بعض الأزواج في مجتمعنا على التوحش!
المرأة التي تنجب الأبناء وتربيهم لا يحق للزوج علاجها، بينما تفرض عليه قوانين الاستقدام في المملكة معالجة الخادمة والسائق في بيته!
حتى في الملتقيات التي تدّعى بأنها من أجل مصلحتها، تُظلم فيها وتهان بكل سهولة!.
خُطب ومحاضرات وآراء ومداخلات، يعبر بها كل شخص عن رأي لا يخصه شخصياً، ولكن لابد أن يقول كلمة، حتى لو كانت غير منطقية أمام الملأ لإقناع نفسه بأنه شارك، متى ما طبقت القوانين وأحكام الشريعة التي تتناسب مع كل زمان ومكان على أرض الواقع، حتماً وقتها ستنال المرأة حقها في الحياة بإنسانية!.
أحزنني موقف أصحاب حقوق الإنسان بين الحضور الذين من المفترض ينتفضون في جلساتهم ويحقون الحق، وزاد الألم عندما صرح رئيس جمعية حقوق الإنسان لتلفزيون روتانا بأن هناك تقدما بطيئا قليلاً ولكن ملحوظ، واستدل على ذلك بالأوامر الملكية لدخولها مجلس الشورى والمجالس البلدية، والسؤال: ماذا قدمت حقوق الإنسان؟ إن كنتم ترون شيئاً من التقدم « فهو أنفسكم» ولكن المعنفات والمتضررات لا يرون ذلك!
حقوق المرأة في الإسلام ليست لها علاقة بين ما تناله من حقوق في المملكة، وما تفرضه العادات الاجتماعية المهترئة على قوة القانون، الذي لم ينص جزء كبير منه إلى الآن من باب سد الذرائع!.
لم يكن اللقاء في مستوى التطلعات فقد خلا من محور أساسي لحقوق المرأة، حيث كنا نتمنى أن تعرض صاحبات المعاناة الحقيقة من السيدات والفتيات اللواتي تعرضن للضرر والانتهاكات مشاكلهن، بدلاً من الاستماع «لشرح نظرية» من وجهة نظر رؤساء ورئيسات إدارات في مؤسسات الدولة!
نتمسك بإصرار على الخطأ وننكرالظلم والاستبداد، وكأن نصف المجتمع لا يرى، ويدّعي بأنه لم يسمع النصف الآخر يتألم، ليقف يُطالب بالحق الذي سلبه منه بالقوة، وكيف سيعيده بإيمانه وتطبيقه لأحكام الله وشريعة الاسلام، ونعود مرة ثانية لنقطة البداية نفسها، وتمر السنون وتزداد الحسرة والألم!
والمثير للاستغراب، أن يختم رئيس حقوق الإنسان الملتقى بتساؤل فريد من نوعه: «هل سيتم عقد ملتقى للرجل السنة القادمة» وأنا أضم صوتي لرئيس جمعية حقوق الإنسان، وأطالب بمؤتمر يناقش معاناة الرجل المظلوم في مجتمعنا، لأن هناك مَنْ يسلبه حريته الشخصية ويغتصب كرامته بتزويجه بالإكراه والاستيلاء على مهره، ومنهم مَنْ يتعرض للاغتصاب من محارمه ويخفف على مغتصبه الحكم، ومنهم مَنْ يستولي على أرثه الشرعي ورواتبه، وهناك مَنْ يقف أمام تعليمه ويحرمه من فرص الابتعاث الجامعي بشروط تعجيزية، يستحق الرجال ملتقى خاصا للنظر ودراسة كل ما يُعيق نفوذهم. و»يا سلام» لو تقود المرأة ذلك الملتقى!.
تاريخ النشر : 1412-2011
المصدر : https://www.alsharq.net.sa/2011/12/14/46054