بعد ٦٦ يوماً أعترف بأنني تمكنت من السيطرة ولحد ما على الشعور بالخوف من العبور بجوار الشاحنات، بخاصة وذكريات حادثة الدهس الذي تعرضت له حين كنت في المرحلة الابتدائية لم تتلاش تماماً، فكلما مررت بجوار شاحنة أتذكر الضباب وصوت بكاء أختي وعربة الإسعاف واختفاء حذائي والمستشفى وطعم الإبر، ولكي أكون واضحة معكم تماماً لم تدهسني شاحنة تافهة أو فارغة، بل شاحنة محترمة تحمل أهدافاً نبيلة وتقدم خدمات مميزة للبشرية، تكمن فخامتها في حمولتها القصوى، إذ كانت محملة بالعشرات من أسطوانات الغاز المرصوصة من الجهتين.
و«التغلب» على تلك المخاوف درس لا تجيد تعليمه مدارس القيادة، بل طريق أبوحدريه، ولمن لا يعرف ذلك الطريق هو واحد من أهم الطرق في المنطقة الشرقية، إذ يبلغ طوله أكثر من ٣٥٠ كيلومتراً، ويمتد من حدود الكويت شمالاً إلى جسر الملك فهد جنوباً، القريب من حدود البحرين.
نتفهم السبب وراء كل تلك الاجتهادات والمجهودات السريعة التي بُذلت من أجل تحقيق هدف إعداد وتجهيز مدارس القيادة في فترة زمنية قصيرة، ولكن من واقع التجربة وجدنا أن أغلب المراكز اعتمدت تطبيق أنموذج مثالي لتعليم القيادة في طرق تضج بالفوضى.
فعلى سبيل المثال، اعتمدت مراكز التدريب في المنطقة الشرقية على توظيف مدربات أغلبهن حديثات التخرج أو ممن عشن خارج المملكة ولديهن ثقافة القيادة في الخارج والالتزام بتطبيق أنظمة المرور بحذافيرها، ما جعل المدربات يقدمن أنموذجاً رائعاً ومثالياً يهتم بجميع التفاصيل، لكن لا يمت بصلة لثقافة القيادة السائدة في شوارعنا، بل يناقض ما يحدث من ممارسات في أرض الواقع، مثل غياب ثقافة الالتزام بالمسار، وقانون الدّوار، وحظر التجاوز في المنعطفات، والسياقة داخل الخط الأصفر، والأهم من ذلك إضاءة إشارة التنبيه قبل الانعطاف أو التنقل بين المسارات.
وحين خرجت أغلب المتدربات إلى الشارع اصطدمن بأن ما يمارس على الطرق لا علاقة له بما تقدمه مراكز التدريب بتاتاً، لتصبح على الطريق فئتان متناقضتان؛ فئة مثالية ملتزمة بالتنبيه قبل التنقل بين المسارات وفئة لا تعترف بها، كما أن الثقافة السائدة لدى فئة كبيرة أن تنبيه الآخرين مضر ولن يمنحهم حرية التنقل بين المسارات من دون أن يقفز عليهم الآخرون، لذا يعتمدون على عنصر المباغتة لضمان أولويتهم، فيما يعتقد آخرون أنه من الذكاء ألا يعرف السائقون حولك خطوتك القادمة، فكل سائق عليه أن يحتاط ويظل حذراً منك طوال الطريق.
لذا، من الضروري أن تفكر مراكز تعليم السياقة النسائية في تغيير استراتيجيتها، وجعل نصف ساعات التدريب العملي أو ثلاثة أرباعه خارج مضمار التدريب، على أن يشمل الشوارع الرئيسة والدوارات المهمة في كل منطقة، ليتم تدريب السيدات على الثقافة الدارجة وبعيداً عن المثالية، لمواجهة الواقع الأليم.
وبعد ٦٦ يوماً على طريق أبوحدريه اكتشفت أن ما تقدمه مراكز التدريب يُعد تضليلاً للواقع، خصوصاً لمن لم تجرب القيادة في حياتها أبداً، والاكتفاء بالتدريب المثالي في مضمار مسفلت مليء بجميع أنواع الإشارات الواضحة، مثل عملية الزرع والحصد في لعبة «المزرعة السعيدة»، فالتدريب المحترف ينبغي أن يُبنى على الواقع الحقيقي للطرق والشوارع وليس موازياً له، فمن حق المتدربات تجربة القيادة على الطرق التعسة الحقيقية، مثل طريق أبوحدريه الكئيب، الذي يضطر أغلب الموظفين إلى الفرار إليه للوصول لأعمالهم، متحملين تصدعاته وانهياراته ومطباته.
الأمر الآخر الذي أتمنى أن تأخذه مراكز التدريب والجهات المعنية في الاعتبار، إلغاء اختبار أجهزة المحاكاة، بعد أن أثبتت التجربة أن التحكم بها أصعب وأثقل من التحكم بالسيارة العادية، وأن تعيد حساباتها من أجل خفض الرسوم المبالغ بها، وإلا فستواجه المزيد من عزوف المتدربات الذي سيُسهل في المستقبل القريب جداً تسرّب مزيد من المدربات من حملة البكالوريوس والماجستير في مجالات مختصة.
لم نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم إلا بعد أن اجتزنا وتجاوزنا العديد من الصعوبات والعقبات، والشيء الجميل الذي يبشّر بالخير في مستقبل الجيل القادم، أن يتدربوا على أيدي أمهاتهم على أخلاقيات القيادة الآمنة من الطفولة كسلوك وذوق عليهم التحلي به، كاحترامهم لمعلميهم ووالديهم.
وإلى أن يكبر الجيل القادم بصحة وسلامة نقول لعُتاة الطريق الأعزاء: نعترف بأن لديكم من الخبرة والمهارة التي لا نستطع مجاراتها، ولكن قدر الله علينا وتم تدريبنا بشكل مثالي للغاية.. «تكفى اضرب إشارة»!
