يضمن نظام «حماية الطفل من الإيذاء»؛ حماية الطفل من أشكال الإيذاء والإهمال والتمييز والاستغلال كافة، وذُكر في المادة الثالثة من اللائحة التنفيذية (3/11) أن تلتزم المدارس والمؤسسات التعليمية والتربوية بعدم اللجوء للعقوبات التأديبية أو السلوكية التي تطبق على الطفل، ويكون من شأنها منعه أو حرمانه من التعليم، أو التسبب في انقطاعه عنه.
احتجزت مدرسة عالمية معروفة في مدينة جدة الشهر الماضي بعض الطالبات «الرهائن» في قاعة الرياضة عقاباً وردعاً لأهاليهن، لاعتقاد إدارة المدرسة الجديدة أن بعض أولياء الأمور لم يسددوا القسط المحدد من إجمالي الرسوم والتي عادة ما تكون نصف المبلغ، فمع بداية العام الدراسي الجديد اصطدم الأهالي بطلب المدرسة تسديد أكثر من نصف مبلغ الرسوم المحددة على بناتهن، وتحديداً نحو 75 في المئة من المبلغ الإجمالي، ما تسبب بصدمة وربكة لدى معظم الأسر التي لديها أكثر من طفل في تلك المدرسة، وخصوصاً أن أغلب أولياء الأمور يعتمدون على رواتبهم ولديهم خطط مسبقة لتسديد بقية الأقساط كالعادة من البدلات أو رواتب شهور معينة.
وبعد أن نشط «وسم» باسم المدرسة على «تويتر»، تحركت لجنة للتحقيق من قبل التعليم الأهلي لكشف ملابسات الموضوع، فتناثرت أخبار متناقضة أثارت «عاصفة» من التساؤلات والخذلان وفقدان الثقة، حين أوضحت إدارة المدرسة أن ما حدث عارٍ من الصحة، إذ إنه لم يتم حبس الطالبات في الصالة الرياضية طوال اليوم الدراسي من دون تكييف، بل كانت المكيفات تعمل بشكل جيد، وكان للطالبات حرية التنقل وتناول الطعام، مبينة أنه تمت تسوية المشكلة مع الأهالي، واعدة بعدم تكرار هذا الخطـأ مرة ثانية!
تم طي الحادثة كالعادة مثل كل المخالفات غير التربوية التي تمارسها بعض إدارات المدارس الأهلية والعالمية في المملكة، وأبسط تلك المخالفات «استغلال» وجود الطلاب في المدارس، واستخدامهم ورقة ضغط ضد أولياء الأمور المتأخرين في دفع الرسوم، وكل هذا يجري على مرأى ومسمع من وزارة التعليم، من دون تدخل مباشر وحازم لإيقاف تلك الممارسات التي تتعارض مع اللائحة التنفيذية لحماية الطفل.
منع الطالب من دخول فصله، أو احتجازه رهينة في قاعة رياضية، أو تركه تحت الشمس في الساحة الخارجية طوال النهار، يعتبر عنفاً نفسياً وعقاباً على ذنب لم يرتكبه، وانتهاكاً لنظام حماية الطفل، وما تُقدم عليه بعض مؤسسات التعليم الأهلي والعالمي في المملكة من ممارسات تستخدم فيها الطلاب «تنمّر» فاضح ومخجل بحق العلم والتعليم، إذ إن هناك قنوات وطرقاً تستطيع من خلالها المدارس التواصل بشكل مباشر مع الأهالي من دون إقحام الطلاب «القُصّر» في الأمر.
وعلى رغم الرسوم البالغة، التي أصبحت تتزايد طردياً مع زيادة المرحلة الدراسية، مازال كثير من أولياء الأمور يشتكون من الطلبات المرهقة والمكلفة التي تكبّدهم ما يتبقى من رواتبهم، فليست جميع الأسر التي تضع أبناءها في المدارس العالمية ثريّة، بل أغلبها تحاول سد «فجوة» المناهج التي لم توفق لسدها وزارة التعليم، بخاصة بعد أن أظهر أبناؤهم تفوقاً واستيعاباً متقدماً يلزمهم توفير مستوى تعليمي أعلى، وبما أن الوزارة تشتري المقاعد الدراسية (القسائم التعليمية) في المدارس الأهلية، مقابل رسوم تتكفل بها الدولة، لماذا لا يتم ضم هذه المقاعد للدولة، بحث تصبح وزارة التعليم توفر التعليم العام الحكومي والتعليم العام الدولي أيضاً، لتغطي بذلك جميع الشرائح والمستويات المتفاوتة بين طلاب وطالبات المملكة، ولا أدري ما الذي يمنع الوزارة من اتخاذ قرار شجاع والرفع لمجلس الوزراء بطلب ضم المدارس العالمية للحكومة، بدلاً من أن ننتظر سنوات عدة لتتمكن شركة تطوير التعليم من تطوير محتوى المناهج التعليمية وفق المعايير العالمية، مثل مناهج كامبريدج وإكسفورد وغيرهما، والجميع يعرف أننا في سباق مع الزمن لا يحتمل إضاعة مزيد من الوقت في الانتظار.
النهوض بالتعليم لا يعني أن نحول المناهج الورقية نفسها إلى إلكترونية وندّعي أن التحول الرقمي يعد تطويراً، نريد مناهج مطورة فعلياً، تأخذ مستقبل التعليم لأبعاد مختلفة، أبعاد تُعد وتُؤهل لعصر الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي، أبعاد تبشر بمستقبل يتحدث بلغة النانو، أبعاد تدرك خطورة الانشطار النووي، وتعي جيداً أهمية الاستمرار في الرفع بمستوى التعليم للإنسان والدول، أبعاد تنهي من حياتنا ممارسات الاستغلال، وتطلق سراح رهائن التعليم للأبد.
