أي تغيير يحدث في حياة الإنسان غالباً ما يقابله شيء من المقاومة التي من أكبر أسبابها الخوف من المستقبل وربما فقدان الثقة أيضاً، وهذا ما شعر به بعضنا مع بداية انطلاق عملية التحول، ليس لأننا نكره التطوير، بل لأن الشعور بالخوف الذي تملّك بعضنا نابع من سنوات من الخذلان تجاه بعض الأجهزة الحكومية التي تضررنا من مستوى خدماتها، فكان من الصعب تصور أن تقوم تلك الأجهزة المترهلة بتنفيذ تحولات ضخمة وبمبادرات وبرامج غير اعتيادية في فترة زمنية قياسية وخدماتها الأساسية لم تتطور منذ عقود. كانت المعادلة صعبة، لم يستطع المواطن البسيط مثلنا استيعابها سريعاً.ولا نستطيع لوم أنفسنا، فنحن من الأساس لم ندرس في الـ12 سنة التي قضيناها في التعليم العام، ولا في السنوات التي تلتها في الجامعة معنى أن يكون للفرد رؤية أو مهمة عليه أن يضع استراتيجية وخطة زمنية لتنفيذها، خصوصاً بعد أن مر على التعليم زمن كانت الأجيال فيه لا تعرف كيف تختار تخصصاتها، فما تعلموه طيلة سنوات الدراسة كان لا علاقة له باختيار تخصص المستقبل، بل كان من يحصل على درجات متقدمة يتأهل لدخول الطب وتليها الهندسة، حتى لو كان لا يرغب في ذلك، فاختار البعض تخصصات فرضتها عليهم المقاعد الشاغرة في الجامعات، فيما أذعن آخرون لما أملاه عليهم والديهم ليدرسوا سنوات تخصصات لا يرغبون بها، لأنهم كانوا يجهلون ما يناسبهم، فلم تكن هناك جهة مهمتها الأساسية التدريب أو تأهيل الطلاب والطالبات لاكتشاف طاقاتهم أو نقاط قوتهم، وبناء شخصياتهم ودفعهم للتعرف على ميولهم وشغفهم والالتقاء بأنفسهم من جديد، وإخراج كل نواحي الجمال الكامنة داخلهم. كان كل ذلك أشبه بالحلم للكثير من الطلاب والطالبات إلى أن اصبح الحلم حقيقة. هذا ما تقوم به مؤسسة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز الخيرية (مسك الخيرية) في برنامج واحد فقط من برامجها المتعددة، وهو برنامج «الإعداد للمرحلة الجامعية»، الذي يتكون من سنتين من التدريب بما فيها البرنامج الصيفي، بحيث تقدم لجميع الطلاب والطالبات من جميع أنحاء المملكة فرصة أقل ما يمكن أن يقال عنها ذهبية لمحاكاة وتجربة الحياة الجامعية المستقبلية التي تنتظرهم، فتفرغ لهم موجهون ومشرفون يتحدثون معهم ويجيبون على تساؤلاتهم، ثم يمنحونهم حرية الاختيار لمجموعة من البرامج التدريبية المقدمة في أفضل الجامعات الأميركية والبريطانية، لتقوم «مسك» إثر ذلك الاختيار بتوفير جميع الخدمات اللوجيستية من تذاكر وسكن وتنقل، وتأخذ بأيديهم خطوة بخطوة في برنامج جميل متكامل، لا يمكن أن يحدث في أي بلد، أن توفر فيه التدريب في الخارج مجاناً، ليتعلموا الاعتماد على النفس، إضافة إلى جملة من التحديات، منها تجربة السفر والعيش في الخارج بمفردهم، وبناء فريق متناغم، والعمل على مشاريع وإنهائها في المدة الزمنية المحددة، والخوض في مهمات ومعسكرات مليئة بالمغامرات والتحدي، تعمل على تقوية وبناء الشخصية لتهيئهم نفسياً وأكاديمياً للبيئة الأكاديمية الجادة. وفي هذا العام 2018 على سبيل المثال، أتم مئات الطلاب والطالبات برامج تدريبية وتأهيلية غالبيتها كان في الإجازة الصيفية، منها البرنامج الجامعي في أكاديمية «ساندهيرست»، والبرنامج التعاوني المصمم لاختبار مسار نظام «الهايبرلوب» التجريبي، بحيث انضم الطلبة إلى الفريق الهندسي في صحراء نيفادا، وبرنامج جامعة هارفارد، وبرنامج زمالة «مسك» في مجالي العلوم والصحة العامة في كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز، وبرنامج «ناشيونال جيوغرافيك» في «وادي السيليكون» الذي تناول برامج الحاسب واستخدام التقنية لخدمة المجتمع، والبرنامج المتطور لفريق شركة «سيمنز» العالمية، وبرنامج التدريب التعاوني في «يونيسكو» والكثير من البرامج الممتعة التي أتمنى أن يعمل كل طالب وطالبة في الصف الأول الثانوي على اقتناصها بالتسجيل في برنامج الاعداد الجامعي قبل نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر). ومن فضيلة الاعتراف بالحق نستطيع أن نقول بأن «مسك الخيرية» نجحت أيضاً هذا العام في جعل أكثر من ثمانية آلاف طالب وطالبة يقعون في حبها، بعد أن منحتهم كل هذا الدعم والوقت والجهد والتشجيع، وأن المقبل بإذن الله سيكون أجمل. هذا ما يفعلونه في «مسك».. يحققون أحلام القلوب الصغيرة ويزرعون الحب وأشياء أخرى.
