القواعد الأساسية في الحياة لا تُجزأ ولا تُدثر برداء غير ردائها، أو تُبرر لمصلحة الموقف الذي توجد داخله أو لأي طرف من الأطراف.
فعلى سبيل المثال، القاعدة التي يرتكز عليها مبدأ الحب كتجربة إنسانية عميقة تعلو بالنفس النقية وتُخرج أجمل ما في داخلها، لا تقبل أن يُقرن الحب بالأفعال الشريرة، وتحويله لأمر طبيعي مفروغ منه، أو يُخدع المرء بفكرة أن الحب والشر عينان تجريان من النبع نفسه.
فمن يدرك العُمق السامي للحب لا يمكن أن يؤيد وجود فكرة تؤكد بأن «من الحب ما قتل» بأي حال من الأحوال؛ فالحب لا يقتل لأن منبعه نقي، من يقتل هو المجرم وصاحب النفس السيئة. فحين يفاجئك خبر بأن رجلاً قتل زوجته مثلاً من شدة الحب أو من دافع غيرة، فثق بأن تلك الجريمة لم تخرج من منبع الحب، بل من الهوس والتملُك والمرض والاختلال، وإن صُدمت يوماً بخبر الأم التي ألقت بأطفالها من النافذة رحمةً بهم، لأنها لا تستطيع إطعامهم مثلاً، فثق أيضاً بأن هذا ليس حباً، بل من سوء النفس والجنون والضعف؛ فالحب بجميع حالاته لا يؤذي، بل يحافظ على التوازن داخل النفس النقية التي تسمو وترقى أثناء عملية نموه الفطري.
لذا؛ من المهم أن نحرص على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية بالتوقف عن تبرير الأخطاء وتمريرها بالنوايا الحسنة، لأن هذا من الأخطاء غير المرئية والتي تُرتكب يومياً ومن شأنها أن تولد أفكاراً مغلوطة، ما إن تأخذ وقتها من التحليل حتى تنتج بدورها أحاسيس مُضللة إزاء بعض المواقف التي تتطلب منا التفاعل بصدقية وبشكل إيجابي أكبر. فكل الأخطاء حين تبدأ تبدأ صغيرة، وإهمالها وتجاهلها هو ما يُعقدها ويجعلها كبيرة.
التصرف بوضاعة مع شخص لم يؤذك لا يمكن أن يقبل تبريره تحت النوايا الحسنة بأي حال من الأحوال، حتى لو كان الهدف من ورائه إرضاء عزيز، فحين تسمع بموقف سيئ حدث بين قريبك أو صديقك وآخر، فإن هذا لا يعطيك الحق بأن تُهينه أو تنصب له فخاً أو تتنمر عليه لفظياً، لأن نيتك الحسنة كانت تقتص لقريبك منه، فإجرامك بحق آخرين لم يتعرضوا لك من قريب أو بعيد ليس من النوايا الحسنة، بل من شُح النفس ودناءتها.
لا يوجد مبرر لشخص لم يؤذ آخر في حياته أن يأخذ منه موقف لمجرد أن سمع قصة خلاف أو سوء تفاهم بينه وبين الآخر، وهو لا يملك دليلا على صحتها ولا شأن له بها من الاساس، فكم مرة وجدت بين مجموعة وشعرت بالإحراج بعد أن أخرجوك من دائرة الاهتمام والأحاديث، واكتفوا برمقك بنظرات غريبة قد تقنع أي أحمق لا تعرفه بينهم لبغضك، فبدلاً من أن يتأكد بنفسه ويجرب التعامل معك، يفاجئك بموقفه غير المبرر ضدك، وحين تمد يدك لمصافحته يتجاهلك تماماً، وبعد أن تعتصر عقلك لتبحث له عن تاريخ في حياتك أو إن كنت من الأساس قد رأيته مسبقاً تكتشف بأن لا أثر له في ذاكرتك، وكم من مرة وجدت نفسك بالصدفة عالقا في موقف لا يخصك ولم تستطع الافلات منه من دون أن تضطر لأن تؤيد وتتبع المجموعة حتى لا تفقد صداقتهم أو اهتمامهم، وأنت في يقينك تعلم أنهم مخطئون وأنت أكثر منهم.
العالقون في مواقف الآخرين شخصيات مهزوزة لا يملكون تكوين انطباعات بأنفسهم، فكان من السهل عليهم تبني مواقف لا تخصهم بمنتهى الجهل، مثل «الندّابة» التي تتجول في سرادق العزاء لتولول على ميتٍ لا تعرفه، فيتأثر معها أهل الميت وهم يعرفون أنها من الأساس لا تعرفه، ومع ذلك يشعرون بالامتنان لكل ذلك الصراخ والعويل، لأنها تؤدي لهم خدمة جليلة في وقفة شدة!
