تنفست «مريم» الصعداء، بعد أن خرجت من نفق الطلاق بحصولها على الخُلع، لتدخل لنفق الحضانة والنفقة. أثناء انتظار الجلسات، تعرضت لعدد كبير من الدعاوى الكيدية من زوجها السابق، التي مازالت مستمرة منذ أكثر من 6 سنوات وإلى كتابة هذه الكلمات. ولأن نظام التقاضي يسمح لأي شخص تطأ قدمه نملة، أن يرفع دعوى ضدها لأن ذلك من حقه، استمر الرجل برفع شكوى تلو الأخرى، ومن ارتفاع عددها يجعلك تظن بأنه كان ينام في المحكمة. واعتقد لو اعتمدت الوزارة الأنظمة الإلكترونية الذكية في أنظمتها، لأصبح من السهل الكشف عن هواة الشكاوى الكيدية، خاصة حين تستهدف في كل مرة نفس الشخص.
وحكاية مريم بدأت، بعد أن بالغ زوجها في استغلالها مادياً لسنوات، فلم يكفه صرفها على الأسرة، بل استمر في استنزافها إلى أن تراكمت عليها القروض، وإذا تمنعت كان يُضيّق عليها الخناق إلى أن ترضخ. واجهته يوماً بأن ديونها قد تراكمت، وحان دوره للوفاء باحتياجات الأسرة، فغضب واتهمها بالتقصير وطعنها في شرفها، فطلبت الطلاق، ما جعله يشعر بالإهانة، فأرعد وأزبد وأقسم بأن يُعلقها لأنها جرحت كرامته وخدشت رجولته، وأعلن عليها الحرب، لأن البطة التي كانت تبيض ذهباً، كبرت وطارت دون رجعة. الشاهد في الأمر حكم القاضي لفتياتها بـ 700 ريال نفقة، بعد سنوات طالبت بزيادتها لكبر حجم المسؤولية والاحتياجات، وبدلا من أن يحكم لها القاضي في نفس الجلسة، تم تحويلها إلى لجنة الصلح، حيث أفتى أحد موظفيها حين اتصل بها بأن مبلغ 700 ريال كافٍ، ثم سألها بملل، كم يدفع طليقك، وحين أجابته، رد عليها بنبرة استنكار، «أجل كم تبين»؟ فقالت ألفاً على الأقل، ثم أردف «احمدي ربك ترين ما نحكم بأكثر من 500 لكل طفل»!! وحين صرحت له بأن والدهم مقتدر، أجابها بكل صفاقة «ليه بتشاركينه حلاله»!! فسألته «إن كان لديه بنات قال: «نعم لدي بنات، واعلم بأن هذا المبلغ لا يكفي، ولكن تلك هي الأحكام هنا»!، ثم أضاف وكأنه يتفضل عليها بمنحة بأنهم ربما يحضرونه قبل الموعد (الذي لم يحدد في تلك المكالمة) و«يعصرونه» كي يزيد النفقة لـ 800. هل (المكاسرة) هذه من صلاحيات لجان الصلح في قضايا النفقة! بالطبع لا.
لجان الصلح اختصاصها فض المنازعات أو التحكيم بين الأطراف، ولم يلزم القانون المواطن بضرورة عرض مواضيع النزاع على تلك اللجان قبل التجائهم لرفع الموضوع أمام القضاء، وجعل اللجوء إلى هذه اللجان اختيارياً، فهي لا تعتبر جهة قضائية، ولم تُعط صلاحيات الفصل في المنازعات التي تعرض عليها، بل خصها القانون بالتوفيق والتحكيم بين المواطنين، لا التحيز أو التأثير على أحد الأطراف، لمصلحة الآخر لطي القضية بأسرع وقت، وتعقد اللجنة جلساتها للوصول إلى حل يرضي الأطراف «علانية» بحضور أعضائها، على أن يقوم أمين سر اللجنة بتحرير محاضر تلك الاجتماعات، مثبت فيها موجز لأقوال أطراف الخلاف وأقوال الشهود وما اتخذ من إجراءات وفقا لما يمليه رئيس اللجنة، وتوقع هذه المحاضر من رئيس وأعضاء اللجنة وأمين السر. السؤال، هل فعلا تنفذ تلك الإجراءات بحذافيرها؟ وهل يدقق في صحة الإجراءات؟ وكيف يقاس أداء تلك اللجان؟ والأهم، ما مؤهلات العاملين فيها، ونوعية التدريب الذي خضعوا له قبل توظيفهم على مشكلات الناس.
نقدر كثيرا بأن وزارة العدل تعمل منذ فترة على تحديث وتطوير أنظمتها، ولأن هناك تطويراً لابد أن يكون أمامه معايير لقياس جودة الأداء في المحاكم. إذ من الضروري أن تضع وزارة العدل، نظاماً لتقييم أداء كل موظف يتعامل مع الجمهور، دون استثناء، كي لا تذهب مجهودات الوزارة هباءً.، بسبب تصرفات فردية من موظف «طفشان» يفر بسوء معاملته للآخرين دون حساب!
بعض العاملين في لجان الصلح والمحاكم والأحوال المدنية، مازالوا بحاجة ماسة للياقة عالية في التعامل مع النساء أثناء مراجعاتهن، وخاصة المحاكم، فمعاملتها بشيء من الأخلاق أمر ضروري ينبغي أن تلمسه في مبنى العدل. فليس مقبولاً أبداً، أن يكسر أي موظف نفسها، ويبرر رعونته بأن (والله هذا كلامي وهذه طريقتي إذا كان عاجبك)، وكأن وجودها في تلك الأماكن أصبح مبرراً، لكي ينهرها ويسيء التعامل معها، دون أن يكون هناك آلية لتلقي شكاوى المراجعات دون أن تتضرر مصالحهن.
من العدل أن تحصل على شيء من الأخلاق، لأن أكثر ما تخشاه المرأة في قضايا الطلاق والنفقة بالذات، تلك الفترة العصيبة، ما بين تقديم الدعوى والنطق بالحكم، لأنها أكثر فترة تُعامل بها بمنتهى القسوة والذل والإهانة.